ندالة زوج

لمحة نيوز


— “عندك ميعاد؟”

الكلمة جرحتني أكتر من أي حاجة… “ميعاد؟”

وقبل ما أرد، لقيت المدير التنفيذي نازل من السلم، بصلي نظرة فيها شفقة مخلوطة بحرج وقال:
— “أدهم… الأفضل تمشي دلوقتي… الموضوع بقى رسمي.”

خرجت من غير ما أجادل… لأني لأول مرة حسيت إن مفيش حاجة أتمسك بيها.

فضلت أمشي في الشارع من غير هدف… لحد ما لقيت نفسي واقف قدام كافيه قديم كنا بنقعد فيه أنا ومريم زمان… أيام ما كنا بنحلم بأي حاجة بسيطة.

دخلت وقعدت على نفس الترابيزة.

الذكريات ضربتني مرة واحدة… ضحكتها، كلامها، إيديها وهي ماسكة إيدي وأنا بقولها “استحملي شوية بس”… وهي كانت بتصدقني.

وقتها بس فهمت حجم اللي ضاع.

مش الفلوس… مش الشغل… لكن الإنسانة

اللي كانت شايفة فيا حاجة أنا نفسي نسيتها.

بعدها بكام يوم… جالي ظرف.

من غير عنوان مرسل… بس أنا عرفت إنه منها.

فتحته بإيد بتترعش.

جواه ورقة واحدة… وخطها.

“أدهم…
أنا مش بكتب عشان أوجعك… ولا عشان أرجعك… أنا بكتب عشان أقفل الصفحة دي صح.
أنا عشت معاك سنين حلوة ووحشة… وكنت دايمًا مختارة أكمّل… بس المرة دي اخترت نفسي.
اللي حصل خلاني أفهم إن في لحظة، الإنسان لازم يقف… حتى لو قلبه لسه عايز يكمّل.
أنا دلوقتي بخف… وببني حياة جديدة… يمكن أبسط… بس أهدى.
أتمنى يوم تفهم… مش عشان ترجّع حاجة… لكن عشان ما تكررش نفس الغلط مع حد تاني.
خلي بالك من نفسك.”

قريت الرسالة أكتر من مرة… وكل مرة كانت بتوجع أكتر… لأنها

هادية… من غير اتهام… من غير صوت عالي… وكأنها خلاص خرجت من كل اللي بينا.

ساعتها بس حسيت بالخسارة الحقيقية.

مش لأن مفيش أمل… لكن لأن الأمل نفسه انتهى بهدوء.

قررت إني أحاول أقف على رجلي تاني… مش عشان أثبت حاجة لحد… لكن عشان ما أضيعش أكتر.

بدأت أدور على شغل… أي شغل… وبعد محاولات كتير، اشتغلت في شركة صغيرة… منصب أقل بكتير من اللي كنت فيه… ومرتب ما يقارنش… بس كان بداية.

في أول يوم شغل… كنت قاعد على مكتب بسيط… مفيش سكرتيرة، مفيش أوامر، مفيش نفوذ… بس كان في إحساس غريب… إحساس إني راجع من الصفر.

ومع الوقت… بدأت أتعلم من جديد.

أتعلم أسمع… أتحمّل… أواجه بدل ما أهرب.

عدّى وقت… وابتديت أبقى أحسن شوية…

مش في الفلوس… لكن في نفسي.

وفي يوم… بالصدفة… شوفتها.

كانت خارجة من مبنى كبير… لابسة بسيط، بس واثقة… ماشية بخطوة ثابتة.

مريم.

وقفت مكاني… قلبي دق بسرعة… بس هي ما شافتنيش.

كان ممكن أناديها… أجري وراها… أقول أي حاجة…

بس ما عملتش كده.

لأني فجأة فهمت…

إن مش كل حاجة تتصلّح بالكلام… وفي حاجات، أحسن حاجة تعملها لها… إنك تسيبها تكمل طريقها.

فضلت واقف أبص عليها وهي بتمشي بعيد… ومع كل خطوة كانت بتاخدها… كنت بحس إني بسيب جزء من الماضي ورايا.

مشيت أنا كمان… في اتجاه تاني.

يمكن الطريق أطول… ويمكن أصعب… بس المرة دي… أنا ماشي وأنا واعي.

وعارف إن أي خطوة غلط… تمنها بيبقى أكبر بكتير مما كنت متخيل.

وإن

الفرص… مش دايمًا بترجع.

لكن الإنسان… ممكن يتغير…

لو واجه نفسه بجد.

تم نسخ الرابط