العرافة
جوزِك لسه عايش يا بنتي.
الكلمة نزلت على ودني زي الصاعقة حسيت الدنيا بتلف بيا، ورجلي مش شايلاني، وقبل ما أقع، الست العجوزة مسكتني من دراعي بقوة غريبة على سنها وقالت بهدوء
ادخلي الأول اللي هتشوفيه جوه محتاج قلب جامد.
دخلت وأنا حرفيًا مش شايفة قدامي عيالي ورايا، متشبثين في هدومي، مرعوبين وساكتين كأنهم حاسين إن في حاجة كبيرة هتحصل.
البيت من جوه كان بسيط جدًا لكن نضيف ومرتب بشكل غريب، كأن حد عايش فيه من زمان ومستني ضيوف في أي لحظة. ريحة أعشاب ودواء مالية المكان وفي ركن بعيد، كان في سرير خشب عليه ستارة قديمة.
قلبي بدأ يدق بعنف كل خطوة كنت بقربها من السرير كنت حاسة إني داخلة على مصير مش هعرف أهرب منه.
الست العجوزة بصّت لي وقالت
استحملي اللي هتشوفيه مش كل الحقيقة بتبقى سهلة.
ومدت إيدها وفتحت الستارة
وقتها الزمن وقف.
كان راقد على السرير راجل جسمه هزيل، ووشه متغير، وفيه جروح قديمة بس مفيش شك مفيش أي شك.
ضياء.
جوزي.
شهقت بصوت عالي، وقعت على ركبتي، وزحفت لحد ما مسكت إيده كانت دافية دافية يا ناس! مش ميت مش جثة ده حي!
ضياء!!
دموعي نزلت بغزارة، وأنا
ليلى؟
الكلمة خرجت منه ضعيفة، مكسورة بس كفاية ترجّعلي روحي.
وأنا بعيط هستيري، وعيالي بيصرخوا بابا! بابا! ومش فاهمين حاجة غير إن أبوهم رجع.
لكن الفرحة دي ما كملتش.
لأن صوت الست العجوزة قطع اللحظة وقال
اللي حصل أكبر منكم كلكم واللي عمل كده مش هيسيبكم تعيشوا لو عرف إنكم وصلتم للحقيقة.
بصيت لها ، وقلت بصوت متقطع
إيه اللي حصل؟ أنا دفنت مين؟ وإزاي هو هنا؟!
الست قعدت قدامنا، وسكتت شوية، وبعدين قالت
اللي دفنتيه كان راجل شبهه أو بمعنى أدق حد اتقتل واتحط مكانه.
قلبي وقع
ليه؟!
ردت بنظرة تقيلة
عشان ضياء شاف حاجة ما كانش المفروض يشوفها.
ضياء وقتها حاول يتكلم، صوته ضعيف
الأرض أرض فوزي بيه مش أرض زراعة بس
سكت، وكأنه بيجمع نفسه، وبعدين كمل
كنت شغال يوم الحادثة الجرار اتعطل، وأنا نزلت أصلحه لكن سمعت صوت جاي من ورا التل ناس بيحفروا.
الست كملت عنه
ضياء راح يشوف ولقى مخزن مدفون تحت الأرض مليان سلاح وفلوس وحاجات أكبر بكتير من مجرد تجارة.
عيوني وسعت
سلاح؟!
ضياء هز راسه
فوزي بيه مش مجرد راجل غني ده
الست قالت
وفعلًا حاولوا ضربوه، وسبوه فاكرينه مات لكن أنا لقيته في الجبل كان بين الحياة والموت وخبيته.
طب والجثة؟!
جابوا واحد غلبان قتلوه وحطوه مكانه ودفنوه عشان يقفلوا الموضوع.
ساعتها فهمت ليه فوزي بيه جالي بسرعة ليه خلاني أوقّع على الورق ليه طردني كان عايز يضمن إن مفيش حد يدور ولا حد يشك.
لكن اللي ما حسبهاش إن ضياء عاش.
سكتنا شوية والهواء تقيل حوالينا لحد ما قلت بصوت واطي
إحنا كده في خطر
الست بصتلي بحدة
مش في خطر إنتوا في حرب.
ضياء مسك إيدي وقال
مش هنفضل مستخبيين اللي عملوه لازم يتفضح.
بصيت له وأنا بين الخوف والغضب كل اللي حصل فيا في عيالي الذل، الجوع، الطرد كل ده عشان سرهم يفضل مدفون.
وقتها لأول مرة الخوف جوايا اتحول لحاجة تانية.
انتقام.
قلت بهدوء غريب
مش هنمشي ولا هنستخبى إحنا هنرجع.
الست ابتسمت ابتسامة خفيفة
كنت مستنية اليوم ده
طلعت صندوق صغير من تحت السرير، فتحته وكان فيه ورق، وصور، وتسجيلات.
ضياء مش كان لوحده كان بيسجل كل حاجة.
مسكت الصور بإيدي شاحنات سلاح رجال بوجوه معروفة في البلد وفوزي
الدنيا اتشقلبت.
الست قالت
دي مش مجرد قصة ظلم دي قضية لو وصلت للصح هتوقع ناس كبار.
ضياء بصلي وقال
مستعدة؟
بصيت لعيالي اللي نايمين جنب بعض بعد ما تعبوا وبصيت ليدي اللي كانت بترتعش زمان دلوقتي ثابتة.
مستعدة أخسر كل حاجة بس مش مستعدة أعيش مكسورة تاني.
وبدأت الحكاية من جديد مش حكاية أرملة مكسورة لكن حكاية واحدة رجعت من الموت ومعاها الحقيقة والحقيقة دي كانت كفيلة تولع البلد كلها.
وفي الليلة دي تحت نفس السما اللي شهدت على ظلمي أخدت أول نفس ليا وأنا مش خايفة.
لأن اللي يخاف هو اللي عنده حاجة يخسرها.
وأنا خلاص مابقاش عندي غير حقي وهاخده.
أول ليلة بعد ما قررنا نرجع، مغمضتش عيني ولا دقيقة كنت قاعدة جنب ضياء وهو نايم بصعوبة، أراقب نفسه، وأفكر في كل خطوة جاية. الفجر لسه ما طلعش، لكن جوايا كان في نور غريب نور بيقول إن الخوف اللي عشت فيه خلص، وإن اللي جاي لو كان أصعبأنا مستعدة له.
الست العجوزة، اللي عرفت بعد كده إن اسمها الحاجة صفية، كانت قاعدة بره على باب البيت، كأنها حارسة المكان. خرجت لها بهدوء، وهي من غير ما تبصلي قالت قررتي؟
قعدت
هزّت راسها وقالت يبقى لازم تبقي