بنت المصنع
كانت نور دايمًا بتحس إنها غريبة وسط أهلها مش عشان شكلها ولا طباعها، لكن عشان روحها كانت ماشية في سكة تانية خالص.
من وهي صغيرة، كانت بتقضي ساعات في ورشة أبوها، تبص على المكن كأنها كائنات حية، تسمع صوتها، تحفظ إيقاعها وأبوها كان شايف فيها حاجة محدش تاني شايفها.
كان دايمًا يقول لها
انتي مش زيهم يا نور انتي هتعملي حاجة كبيرة، بس استحملي.
لكن لما أبوها مات، كل حاجة اتقلبت.
أمها، الست اللي كانت دايمًا شايفة نفسها في مستوى أعلى من الكل، قررت إن نور لازم تتعدل يعني تسيب الشغل القذر ده وتبقى بنت ناس زي مازن وياسمين.
بس نور رفضت.
رفضت تسيب الحاجة الوحيدة اللي حست فيها إنها نفسها.
ومن هنا بدأت الحرب.
سنين عدت، ونور بتشتغل في المصنع، من عاملة بسيطة لحد ما بقت مديرة خط إنتاج بإصرار، بعرق، بإيدين مليانين جروح صغيرة محدش شايفها.
وفي نفس الوقت، كانت بتذاكر في السر.
كورسات فيديوهات كتب مستعملة سهر بالليالي.
لحد ما جه اليوم اللي حياتها اتغيرت فيه.
وصلها إيميل منحة كاملة في برنامج هندسة روبوتات تابع لأكبر شركة في البلد.
يومها فضلت باصة للشاشة ومش مصدقة وافتكرت أبوها.
بس قبل ما تلحق تفرح حصلت عزومة عيد الأم.
العزومة اللي غيرت كل حاجة.
الكلمات اللي اتقالت فيها فضلت محفورة جواها سنين.
أنتي عار.
صنايعية.
إحنا أحسن
لكن أقسى جملة كانت
أبوكي كان هيبقى مكسوف منك.
الجملة دي هي اللي قتلت أي حاجة جواها إلا حاجة واحدة
الإصرار.
في الليلة دي، نور خرجت مش بس من القاعة خرجت من حياتهم كلها.
سافرت بعدها بأسابيع من غير ما تقول لحد.
ومن هنا بدأت الرحلة الحقيقية.
في البداية، الدنيا هناك كانت قاسية.
لغة مختلفة ناس مختلفة ضغط رهيب منافسة شرسة.
كانت بتشتغل الصبح في أي شغلانة تجيب فلوس، وتدرس بالليل لحد ما عينيها تقفل.
كتير كانت بتنام وهي قاعدة.
كتير كانت بتعيط لوحدها.
بس عمرها ما فكرت ترجع.
كل مرة كانت بتضعف كانت تفتكر صوت أمها وهي بتقول عار.
وتقوم تاني.
ومع الوقت نور بدأت تلمع.
مش بس كطالبة شاطرة لا، كعقل مختلف.
مشروع ورا مشروع أفكار غير تقليدية حلول ذكية.
لحد ما في سنة من السنين، قدمت مشروع روبوت صناعي بيحل مشكلة كانت بتكلف الشركات ملايين.
المشروع قلب الدنيا.
والشركة الراعية نفسها تبنته.
ومن هنا نور دخلت عالم تاني خالص.
سنين عدت.
نور بقت اسم.
مشهور.
مطلوب.
مديرة قسم وبعدها شريكة وبعدها أسست شركتها الخاصة.
شركة بتنافس الكبار.
وبقى ليها مكتب ضخم وإدارة كاملة تحت إيدها.
لكن رغم كل ده في حتة جواها لسه ساكتة.
ولا مرة رجعت ولا مرة سألت عليهم.
كأنهم ماتوا بالنسبة لها.
وفي يوم
سكرتيرتها دخلت عليها وقالت
في ناس برة عايزين
نور قالت ببرود
مين؟
السكرتيرة اترددت وقالت
بيقولوا أهلِك.
الصمت ملأ المكان.
نور قلبها دق بس وشها فضل ثابت.
قالت
خليهم يدخلوا.
الباب اتفتح
ودخلوا.
أمها بس مش بنفس الهيبة.
مازن وشه مرهق.
ياسمين مكسورة.
الحياة كانت قاسية معاهم.
عيادات مازن فشلت بسبب ديون وغلطات.
جواز ياسمين انهار بعد ما جوزها نصب عليهم.
وأمها خسرت كل حاجة تقريبًا.
بقوا تايهين.
ومفيش حد يلجأوا له غير العار.
وقفوا قدامها ومكنوش عارفين يتكلموا.
لحد ما أمها قالت بصوت مهزوز
نور
أول مرة تقول اسمها من غير تكبر.
نور بصتلهم بهدوء مرعب.
وقالت
أهلاً اتفضلوا.
قعدوا والتوتر مالي الجو.
مازن حاول يتكلم
إحنا كنا محتاجين
نور قاطعته
مساعدة؟
سكت.
ياسمين بدأت تعيط.
وأمها قامت فجأة وقربت منها.
وقالت بصوت مكسور
سامحيني.
الكلمة دي
كانت مستنية تتقال سنين.
لكن لما اتقالت محستش بحاجة.
ولا فرحة ولا راحة.
بس هدوء.
نور قامت ومشيت ناحية الشباك.
وقالت من غير ما تبصلهم
فاكرين ليلة عيد الأم؟
سكتوا.
قالت
أنا فاكرة كل كلمة.
لفت وبصتلهم
عار صنايعية أبوكي مكسوف منك.
أمها نزلت على ركبتها
غلطت كنت غبية سامحيني يا بنتي.
نور قربت منها ووقفت قدامها.
ثواني عدت كأنها سنين.
وبعدين قالت
أنا مش هنتقم.
رفعوا عينيهم باستغراب.
كملت
بس كمان مش هرجع
رجعت على مكتبها وفتحت درج وطلعت ملف.
حطته قدامهم.
وقالت
ده عقد.
مازن قال
عقد إيه؟
نور ردت
هساعدكم بس كموظفين.
الصمت رجع تاني.
قالت بهدوء
هتشتغلوا تتعبوا تثبتوا نفسكم زي ما أنا عملت.
بصتلهم واحد واحد
مش عشان أنا قاسية عشان الحياة علمتني كده.
أمها كانت بتعيط بس المرة دي دموعها حقيقية.
مش دموع شفقة دموع ندم.
نور قعدت وسندت ضهرها.
وقالت آخر جملة
أنا مش العار أنا الحاجة الوحيدة اللي كانت تستاهل تتحب.
وفي اللحظة دي
كل حاجة اتقفلت.
الجرح والدايرة والماضي.
نور مسامحتهم
بس أهم حاجة؟
إنها سامحت نفسها وكملت.
بعد ما نور حطت العقد قدامهم، الجو كان تقيل بشكل يخنق كأن كل كلمة اتقالت قبل كده لسه معلقة في الهوا.
مازن بص في الورق بإيد بترتعش
يعني نشتغل عندك؟
نور ردت بهدوء
آه. عندي. وتحت نظامي.
ياسمين مسحت دموعها وقالت بصوت مكسور
وإحنا هنبدأ منين؟
نور بصت لها نظرة طويلة مش شفقة، ولا شماتة حاجة بينهم
من تحت خالص زي ما أنا بدأت.
أمها كانت لسه على ركبتها، ف نور قالت بحدة خفيفة
قومي يا ماما هنا مفيش حد بيتركع لحد.
الجملة كانت غريبة لأن فيها قوة، وفيها كمان كرامة.
أمها قامت ببطء أول مرة تبص لنور كأنها شايفة حد أكبر منها.
بعدها بأيام كانوا التلاتة واقفين قدام مبنى الشركة نفسهم اللي كانوا بيبصوا لنور زمان باستعلاء
الموظفين كانوا بيتحركوا بسرعة، أجهزة، شاشات، روبوتات صغيرة بتتحرك في الممرات عالم مختلف تمامًا عن