قصة ل نيرمين عادل همام

لمحة نيوز

 مكنتش وقفت.. كانت ماتت." نجلاء كتبت ملاحظة في ملفها وقالت: "يا أستاذ رفعت، لازم مجلس الأمومة والطفولة يتدخل.. مينفعش نسيب قُصّر تحت رعاية حد غريب، مهما كانت نيته كويسة أو.. إمكانياته."

رفعت حس بغضب حقيقي لأول مرة من سنين. كان عايز يصرخ ويقول إن الموضوع ملوش علاقة بالفلوس، وإن التخلي عنهم دلوقتي جريمة. بس سكت لما شاف "ليا" قاعدة على الكرسي وبتبصله بتركيز. على الفجر، خرج دكتور من العناية: "البنت حالتها صعبة جداً.. سوء تغذية والتهاب رئوي متقدم. بس.. بدأت تستجيب للعلاج. لو عدت الـ 48 ساعة الجايين، إن شاء الله هتعدي." ليا انفجرت في العياط من الفرحة ورمت نفسها في حضن رفعت. في اللحظة دي، فيه حاجة جواه دابت.. حاجة كانت متجمدة بقالها سنين.

الأيام عدت بين زيارات الأخصائيين ومحاولات المجلس للبحث عن قرايب ليهم أو عرضهم للتبني. بس كان فيه حاجة واحدة واضحة للكل: ليا مش بتهدى ولا بتاكل ولا بتنام إلا في وجود رفعت. نجلاء أصرت: "أنا فاهمة إنك اتعلقت بيهم، بس فيه عائلات مستنية سنين في طابور التبني.. مينفعش نتخطى الإجراءات عشان إنت شخصية معروفة." رفعت خد نفس عميق: "أنا مش طالب معاملة خاصة.. أنا طالب إنكم تشوفوا الحقيقة بعيد عن الورق والمكاتب.. اسألوا "ليا" هي عايزة إيه."

وده اللي حصل بعد أسابيع في محكمة الأسرة. الجو كان تقيل، ريحة خشب قديم وتكييف صوته عالي. القاضي كان بيقلب في ملف تقيل،

والنيابة كانت بتقدم ملاحظاتها. "ليا" و "رفعت" كانوا واقفين مع بعض—هي بفستان بسيط جابهولها، وهو ببدلته بس قلبه كان مكشوف وعريان أكتر من أي وقت فات.

"الأستاذ رفعت عزالدين،" 

القاضي بدأ كلامه، "إحنا هنا عشان نحدد مستقبل البنتين ليا ونور روشا. وقبل ما أحكم، عايز أسمع البنت الكبيرة." التفت لـ "ليا": "يا ليا، قوليلي إنتي عايزة إيه؟" القاعة سكتت تماماً. ليا بصت للقاضي، وبعدين بصت لرفعت.. إيدها كانت بتترعش، بس صوتها كان طالع قوي: "أنا عايزة أفضل معاه." همهمة بدأت في القاعة. "هو مسابنيش لوحدي في الشارع،" كملت بشجاعة. "مسابش أختي تموت.. الكل سابونا ومشيوا.. إلا هو." وكيل النيابة قام: "يا سيادة القاضي، مينفعش نحكم بناءً على عاطفة طفلة لسه طالعة من صدمة.." صوت رفعت قطع كلامه وهو بيقول بكسرة: "بكل احترام يا سيادة القاضي.. البنت دي شافت من الدنيا هجر مفيش حد هنا شافه. فقدت جدتها، وشالت طفلة بتموت لوحدها، وجوعت عشان تأكل أختها.. هي مش طالبة غير حاجة واحدة بس: إنها ماتبقالش لوحدها تاني."

رفعت خاد نفس طويل، واتكلم وصوته فيه بحّة صدق هزت القاعة: "أنا عارف يعني إيه تفقد حد بتحبه وتكون عاجز قدام القدر. أنا فقدت مراتي وهربت من وجعي في الشغل تلات سنين. بس لما لقيت ليا ونور، عرفت إني لازم أبطل هروب. أنا مش طالب ميزة ولا واسطة.. أنا طالب فرصة عشان أكون مسؤول عنهم.. عشان نكون عيلة."

ساد السكوت

في القاعة كلها.. القاضي سند ضهره لورا، وشبك صوابعه وهو بيفكر بعمق. — "بناءً على التقارير الطبية، وبسبب عدم وجود قرايب، وبناءً على الرابط القوي ورغبة البنت.. المحكمة قررت منح الحضانة المؤقتة للأستاذ رفعت عزالدين."

ليا اتشبثت فيه وكأن العالم كله بيتهد وبيتبني من جديد في لحظة واحدة. رفعت غمض عينيه، وسمح لدمعة تنزل لأول مرة من سنين. المعركة مخلصتش، بس الطريق بقى مفتوح.

الفيلا بتاعته عمرها ما كانت واسعة وكبيرة في عينيه زي اليوم اللي دخل فيه وليا ماسكة إيده، ونور الصغيره في حضنه بعد ما حالتها استقرت. كل حاجة كانت جديدة عليهم—الجنينة، الحيطان اللي بتلمع، السراير الناعمة. وبالنسبة لرفعت كمان—الضحك اللي بقى بيرن في الممرات، اللعب اللي بقت مرمية في كل حتة، والرسومات اللي اتلزقت على التلاجة.

في أول ليلة، ليا سابت ورقة كشكول على السفرة.. كانت رسمة بـإيد بتترعش: راجل طويل. بنت بضفاير. وبيبي بيضحك. وتحتها كلمة واحدة بخط معووج: "عيلة". رفعت شال الورقة دي كأنها أهم عقد وقعه في حياته.. وحطها في دوسيه جلد غالي، في نفس المكان اللي كان بيشيل فيه ورق صفقات الشركة.

الشهور اللي جت مكنتش سهلة.. كان فيه لجان تقييم، وأخصائيين، ومخاوف قديمة بترجع تظهر في كوابيس ليا عن الزقاق والبرد. بس كان فيه برضه احتفال بأعياد ميلاد لأول مرة، وأول يوم مدرسة، ونور وهي بتحبي في الجنينة، وليا وهي بتضحك ومعجون السنان

مالي بؤها، ورفعت وهو بيتعلم إزاي يسرح شعر البنات ويقرأ لهم قصص قبل النوم.

في ليلة، ليا بصت له وهي شايلة بطانيتها وواقفة على باب أوضته: "ممكن أسألك سؤال.. يا بابا؟" قالتها بكسوف. قلب رفعت دق بقوة: "طبعاً يا بنتي.. قولي." "هو إنت ممكن في يوم.. تحس إني تقيلة عليك؟ يعني متبقاش عايز تشيلني تاني؟"

رفعت نزل على ركبه ومسك إيديها وبص في عينيها: "اسمعيني كويس يا ليا.. إنتي مِش حِمل، ولا أختك حِمل. إنتي السبب إن البيت ده نوره قاد تاني. أنا عمري ما هزهق منكم.. أبداً." ابتسمت—ابتسامة حقيقية من غير خوف لأول مرة. وحضنته بقوة خلت رفعت يحس إنه بيحضن الدنيا كلها.

مر الوقت.. والحضانة المؤقتة بقت كفالة كاملة . الورق مكنش مجرد إمضاءات، ده كان بيأكد الحقيقة اللي موجودة فعلاً: إنهم بقوا عيلة. الشركة فضلت شغالة، بس مابقتش هي محور حياة رفعت. الاجتماعات بقت تتأجل عشان حفلات المدرسة، ومواعيد الدكاترة، ووقت اللعب في النادي.

الفيلا اللي كانت صامتة وكئيبة، بقت دوشة وضحك وعصير مدلوق ورسومات في كل ركن. رفعت أنقذ بنتين من زقاق ضلمة.. بس من غير ما يحس، هو أنقذ نفسه كمان.

لأنك مش محتاج "دم مشترك" عشان تعمل عيلة.. كل اللي محتاجه هو "قلب" بيحس في اللحظة الصح—وإنك تقرر ماتبصش الناحية التانية وتفوت الوجع.

أحياناً بنكون زي رفعت—بنخبي وجعنا في الشغل. وأحياناً بنكون زي ليا—بنستنى في صمت إن حد يحس بينا ومايسيبناش

لوحدنا. وفي الحالتين، دايماً فيه فرصة إننا نختار "الرحمة".

تمت

تم نسخ الرابط