سر الطفلة الصغيرة

لمحة نيوز

في يوم رجعت البيت بدري شوية ولقيتها قاعدة على الأرض وسط ورق وألوان، كانت بتحاول ترسم، قربت منها لقيتها عاملة رسمة لبيت صغير وشجرة وشخصين ماسكين إيد بعض، سألتها: “مين دول؟” قالت ببساطة: “أنا وإنت.” حسيت وقتها إن قلبي كله اتقلب، فضلت باصص للرسمة وأنا ساكت، لأنها كانت أول مرة في حياتي ألاقي نفسي موجود في صورة حد باعتباري حاجة جميلة، مش عبء ولا مشكلة.

بدأت آخدها تتمشى معايا كل جمعة، كنا نروح أماكن بسيطة جدًا، حديقة صغيرة، أو نقف على الكورنيش نتفرج على الميه، وهي كانت تنبهر بكل حاجة كأنها أول مرة تشوف الدنيا، مرة وقفت قدام عربية فول وقالتلي بفرحة: “ريحة الفول حلوة أوي!” فضحكت واشتريت لها سندوتشين، قعدنا ناكلهم على الرصيف وهي بتحكيلي عن أحلامها، قالت إنها نفسها لما تكبر يبقى عندها أوضة كلها ألوان، وتبقى رسامة كبيرة، وترسم الناس الحزينة وتخليهم يضحكوا، كنت بسمعها وأنا حاسس إن البنت الصغيرة دي فاهمة الحياة أكتر من ناس كبيرة.

لكن رغم كل الدفا اللي دخل حياتنا، كان في خوف مستخبي جوايا، خوف إن كل ده يضيع

فجأة، لأن الدنيا عمرها ما ادّتني حاجة كاملة، وكل مرة كنت أفرح فيها بحاجة كانت تتسحب مني بسرعة، وفعلاً اليوم اللي كنت خايف منه جه، لما الست تعبت فجأة، تعب شديد خلاها تقع وهي بتحضر الأكل، جرينا بيها المستشفى، ومعجزة كانت ماسكة إيدي طول الطريق وبتترعش، ولأول مرة أشوف الرعب الحقيقي في عينيها، كانت تهمس كل شوية: “هي هتسيبني؟” وأنا أكذب عليها وأقول: “لا طبعًا… دي قوية.”

لكن الحقيقة إن الست كانت مرهقة جدًا من السنين، جسمها مستحملش أكتر، وقبل ما تغمض عينيها طلبت تشوفني لوحدي، دخلت عندها وكانت بتتنفس بالعافية، قالتلي بصوت مكسور: “أنا عارفة إنك كنت تايه… بس ربنا بعتك للبنت دي عشان تنقذها… أو يمكن هي اللي تنقذك… أوعى تسيبها لوحدها.” دموعي نزلت غصب عني، هزيت راسي وأنا مش قادر أتكلم، وبعد ساعات قليلة رحلت بهدوء، ومعجزة فضلت تبكي طول الليل وهي ضامة هدوم الست في حضنها، وأنا قاعد جنبها مش عارف أهون عليها ولا أهون على نفسي.

بعد اللي حصل، البيت بقى أهدى من اللازم، الفراغ كان مؤلم، لكن الغريب إن معجزة رغم حزنها

كانت بتحاول تبقى قوية، مرة صحيت لقيتها بتحضر لي شاي، ولما استغربت قالت: “إنت زعلان… وأنا مش بحبك زعلان.” ضحكت وسط دموعي، وحضنتها بقوة، ومن اللحظة دي حسيت إننا بقينا عيلة فعلًا، مش مجرد شخصين جمعتهم الصدفة.

بدأت أشتغل ساعات أطول عشان أعرف أصرف علينا، وصاحب الورشة لما شاف اجتهادي خلاني مسؤول عن شغل أكبر، وبعد سنة كاملة قدرت أنقلنا لشقة صغيرة أنضف وأوسع، يوم النقل معجزة فضلت تلف في الشقة وتجري من أوضة لأوضة وهي تضحك، وبعدين وقفت في البلكونة تبص للشارع وقالت: “دي أول مرة يبقى عندي بيت بجد.” الكلمة دي خلت كل تعب السنين يهون.

وفي المدرسة، معجزة بدأت تتفوق بشكل غريب، المدرسات كانوا بيقولوا إنها ذكية جدًا وعندها خيال واسع، وكل مرة كانت ترجع بشهادة تقدير تجري عليّا قبل أي حد، وتقول: “شوفت؟ أنا شاطرة عشان إنت صدقتني.” ومع الوقت بقى عندها أصحاب، وضحكتها بقت أعلى، وخوفها بقى أقل، وحتى النوم اللي كان مليان كوابيس بدأ يهدى.

وفي ليلة مطر زي الليلة اللي دخلت فيها البيت أول مرة، كنا قاعدين سوا نشرب شاي ونسمع

صوت المطر، معجزة بصتلي فجأة وقالت: “تعرف؟ أنا زمان كنت فاكرة إن الدنيا كلها ضلمة… بس طلع في ناس بتشبه النور.” سألتها وأنا مبتسم: “مين الناس دي؟” قربت مني وحطت راسها على كتفي وقالت: “إنت.” وقتها فهمت إن الإنسان ممكن يبدأ حياته من أول وجديد بسبب كلمة، أو حضن، أو طفلة صغيرة قررت تصدق إن فيه خير لسه موجود.

السنين عدت بسرعة، ومعجزة كبرت، بقت بنت هادية جميلة بعينين مليانين حياة، وفي أول معرض رسم شاركت فيه علقت لوحة كبيرة جدًا كانت عبارة عن شارع ضلمة وفي آخره نور دافي وشخص واقف ماسك إيد طفلة صغيرة، الناس كلها فضلت تبص للوحة بإعجاب، لكن أنا أول ما شوفتها حسيت قلبي بيرتعش، قربت منها وسألتها: “دي مين؟” ابتسمت وقالت: “دي قصتنا… عشان محدش ينسى إن أوقات أكتر الناس تايهة هما اللي بيعرفوا ينقذوا غيرهم.”

وفي اللحظة دي، وسط الزحمة والتصفيق والنور، اكتشفت إن أعظم حاجة حصلتلي في حياتي ما كانتش شغل ولا فلوس ولا بيت… أعظم حاجة كانت إني دخلت يوم بيت قديم وأنا فاقد نفسي، ولقيت جواه طفلة صغيرة اسمها معجزة، قدرت ترجعني

للحياة من جديد.

تم نسخ الرابط