من يوم ما اتجوزت "وائل" وأنا كنت فاكرة إن الهدوء اللي فيه راحة، وإن الراجل اللي صوته واطي عمره ما يأذي، بس الحقيقة إن أخطر الناس هما اللي بيعرفوا يخبّوا نواياهم ورا وش ثابت وكلمتين حلوين. عشنا خمس سنين في شقة صغيرة في مدينة نصر، وكانت حياتنا بسيطة جدًا، هو شغال في شركة شحن وأنا بشتغل أونلاين من البيت، وكل دنيتي كانت ابني "ريان" اللي عنده سبع سنين، طفل بيضحك للدنيا كلها كأن قلبه متخلقش فيه ذرة شر. الفترة الأخيرة وائل اتغير، بقى ساكت زيادة، مركز في موبايله، وبيصحى بالليل يقف في البلكونة يتكلم بصوت واطي أول ما أحاول أقرب يسكت فورًا. سألت نفسي ألف مرة: فيه إيه؟ لكنه كل مرة كان يرد ببرود: "شغل وضغط ومشاكل فلوس." حاولت أصدقه، خصوصًا بعد ما بدأ يتعامل معانا بلطف مبالغ فيه، يجيب هدايا لريان، ويقترح نخرج، ويطبخ بنفسه أوقات، وده شيء عمره ما عمله قبل كده. الليلة دي بدأت عادية جدًا، كنت مرهقة بعد يوم طويل، وريان كان بيلعب بالعربية الصغيرة بتاعته في الصالة، ووائل دخل المطبخ وقال بابتسامة هادية: "النهاردة أنا هعملكم أحلى ملوخية." ضحك ريان وجري وراه وهو بيقوله إنه نفسه يتعلم منه الطبخ، وأنا كنت واقفة أبص عليهم وحاسة إن يمكن كل التوتر اللي فات كان مجرد فترة وهتعدي. ريحة التقلية ملت البيت، التوم والسمنة والمرقة، الجو كان دافي بطريقة خلتني أرتاح شوية، لكن جوايا كان فيه شيء صغير بيقولي إن الهدوء ده مش طبيعي. قعدنا على السفرة، ووائل بنفسه حط الأكل قدامنا، ولاحظت إنه محطش لنفسه غير شوية رز صغيرين، وقال إنه أكل في الشغل. بدأت آكل، أول
لقمتين كانوا طبيعيين، بعدها حسيت بطعم مر غريب مستخبي وسط الملوخية. بصيت له، كان مركز في موبايله بطريقة مستفزة، وريان فجأة بطل كلام وقال بصوت مرعوب: "ماما أنا دايخ." قلبي وقع، حاولت أقوم لكن رجلي خانتني، الدنيا بدأت تلف، والهواء بقى تقيل كأني بغرق. آخر حاجة شفتها قبل ما أقع إن وائل كان بيتفرج علينا من غير ذرة خوف. وقعت على الأرض، وريان وقع جنبي، كنت سامعة أنفاسه الضعيفة، حاولت أصرخ لكن لساني كان تقيل. ساعتها سمعت صوت وائل وهو بيقرب وبيزقني برجله، بعدها قال في التليفون بصوت هادي مرعب: "خلاص.. الموضوع انتهى." الصوت اللي رد عليه كان صوت ست كبيرة شوية، قالت بقلق: "متأكد؟" قال: "أيوه.. محدش هيفوق بعد الجرعة دي." الست سكتت لحظة وبعدين قالت: "لازم تتأكد كويس." وائل رد بثقة: "كل حاجة محسوبة." قلبي كان بيدق بجنون، حاولت أفضل ساكنة، وكل اللي بفكر فيه إني لازم أنقذ ريان. بعد دقائق سمعت الباب بيتقفل وخطواته بتنزل السلم. فتحت عيني بالعافية وزحفت ناحية ابني، كان بيترعش وبيتنفس بصعوبة. وقلتله يفضل صاحي مهما حصل. زحفت لحد الموبايل واتصلت بالإسعاف، كنت بالكاد بعرف أتكلم، لكنهم فهموا العنوان ووعدوني إنهم جايين. بعدها أخدت ريان ودخلنا الحمام وقفلت علينا الباب. فجأة موبايلي نور برسالة من رقم غريب: "الزبالة فيها علبة الدوا والدليل.. متخليش وائل ياخدها." جسمي كله اتجمد. مين اللي باعت الرسالة؟ وإزاي عارفة؟ بعدها بثواني سمعت صوت المفتاح بيلف في الباب. وائل رجع. ومعاه واحدة ست. خطواتهم كانت بطيئة جوه الصالة، والست كانت بتقول بصوت متوتر: "أنا
خايفة." رد عليها: "كل حاجة خلصت." سمعت صوت أكياس بتتفتح، واضح إنه بيدور على حاجة. بعدها قال بعصبية: "فين العلبة؟!" الست قالت: "أكيد رميتها." قلبي كان هيقف. فهمت إن الدليل اللي في الزبالة مهم جدًا. وائل بدأ يقلب البيت بعنف، وأنا جوا الحمام ضامة ريان لصدري وبحاول أمنعه يعيط. فجأة سمعنا صوت سرينة بعيد بيقرب. الست ارتعبت وقالت: "البوليس؟!" وائل شتم بصوت عالي وجري ناحية الباب، لكنه وقف فجأة لما سمع صوت كحة خفيفة طالعة من الحمام. الصمت ملأ الشقة. حسيت بروحي بتطلع مني. خطواته قربت من باب الحمام ببطء، ومقبض الباب اتحرك، لكن في نفس اللحظة الباب الخارجي اتكسر ودخل رجال الإسعاف ومعاهم الشرطة. وائل اتصدم، والست صرخت. حاول يجري لكن الظابط مسكه قبل ما يوصل للباب. وأنا خرجت من الحمام شايلة ريان اللي كان شبه فاقد الوعي. المسعفين أخدونا بسرعة، وفي العربية فضلت ماسكة إيد ابني وأنا بدعي إنه يعيش. في المستشفى غسلوا معدتنا، والدكتور قال إن السم كان بطيء لكنه قاتل لو اتأخرنا نص ساعة كمان. الشرطة فتشت البيت ولقت في الزبالة علبة مبيد حشري قوي، وعليها بصمات وائل. لكن المفاجأة الأكبر كانت إن الرسالة اللي وصلتلي جات من "سحر" أخت وائل الكبيرة. بعدها بيوم دخلتلي الأوضة وهي منهارة ووشها أصفر، وقالت وهي بتعيط إنها كانت شاكه في تصرفاته من فترة، وإنه طلب منها تشتريله مادة سامة بحجة إنه عنده فئران في المخزن، لكنها خافت لما سمعته بيتكلم عن التأمين على حياتنا اللي عمله من شهرين. قالت إنها حاولت تمنعه لكنه كان بيقول إن حياته اتدمرت بسبب الديون وإنه شايف
إن الحل الوحيد يبدأ من جديد بعد ما يقبض مبلغ التأمين. يوم الحادثة كانت بتراقبه، ولما خرج من البيت وهو مرتبك دخلت تدور في المطبخ ولقت علبة السم في الزبالة، فبعتتلي الرسالة وخافت تبلغ الشرطة قبل ما تتأكد إننا لسه عايشين. التحقيقات استمرت أسابيع، ووائل حاول يمثل دور الضحية وإنه اتسمم زينا، لكن الكاميرات صورته وهو بيشتري المادة السامة، وتحليل الطب الشرعي أثبت إن أكله مكنش فيه أي أثر للسم. في المحكمة كان واقف يبرر ويقول إنه كان مضغوط ومش شايف قدامه، لكن القاضي قال جملة عمري ما هنساه: "الإنسان قد يضعف.. لكنه حين يقرر قتل ابنه بيده فهو اختار أن يفقد إنسانيته كاملة." اتحكم عليه بالسجن سنين طويلة، والست اللي كانت معاه طلعت مجرد صاحبة له في الشغل ساعدته يجيب المادة السامة من غير ما تعرف هو ناوي يعمل بيها إيه، ولما اكتشفت الحقيقة انهارت واعترفت بكل شيء. بعد شهور طويلة بدأت أرجع أتنفس طبيعي، نقلت أنا وريان لشقة تانية، وكان بيصحى أوقات من النوم يعيط ويقولي: "بابا كان عايز نموت ليه؟" ومكنتش بعرف أجاوب. كنت فقط أضمه وأقوله إن ربنا نجانا لسبب، وإن الشر مهما استخبى ورا ريحة الأكل والبيوت الدافية لازم يبان في الآخر. ومع الوقت ريان رجع يضحك تاني، وأنا اتعلمت إن الإحساس اللي جوانا عمره ما بيكدب، وإن ثانية شجاعة واحدة ممكن تنقذ عمر كامل، وإن أكتر الناس هدوءًا أحيانًا بيكونوا شايلين جواهم عاصفة محدش يتخيلها.
بعد الحكم على وائل بست شهور كاملة كنت فاكرة إن الكابوس انتهى، وإن باب المحكمة لما اتقفل عليه خلاص قفل معاه كل الخوف اللي عشناه،