سم في طبق الملوخيه

لمحة نيوز

 لكن الحقيقة إن بعض المصايب مبتخلصش بالسجن، دي بتسيب ظلها متعلق في الروح وفي الحيطان وفي صوت أي مفتاح بيتلف في الباب بالليل. أنا وريان حاولنا نبدأ من جديد، نقلنا لشقة صغيرة في المعادي، الشارع هناك هادي وفيه شجر كتير، وكنت متعمدة أختار مكان بعيد عن أي ذكرى تخص البيت القديم. أول شهرين كانوا صعبين جدًا، ريان كان بيخاف من الأكل اللي فيه ريحة توم أو خضرة مطبوخة، وكل ما يشوف طبق ملوخية يترعش ويستخبى ورايا. بقيت أطبخ قدامه وأخليه يشوف كل حاجة وأنا بعملها عشان يطمن، لكن عينيه الصغيرة كانت شايلة خوف أكبر من سنه بكتير. كنت أنا كمان كل ليلة أصحى مفزوعة على صوت وهمي حد بينادي اسمي أو على إحساس إني مش قادرة أتنفس. ساعات كنت أقعد أبص لريان وهو نايم وأتأكد إنه بيتنفس، وأفضل أبكي في صمت عشان ميصحاش. الناس حواليّ كانوا فاكرين إن النجاة نهاية القصة، لكن محدش شاف اللي بيحصل بعد النجاة، محدش شاف الخراب اللي بيفضل جوا الإنسان حتى بعد ما الخطر يختفي.

وفي يوم مطر، وأنا راجعة من السوبر ماركت، لقيت ظرف أبيض متحطوط قدام باب الشقة. مكنش عليه اسم ولا عنوان. قلبي دق بسرعة، أخدته ودخلت وقفلت الباب بالمفتاح كذا مرة. فتحت الظرف بإيدي المرتعشة ولقيت جواه صورة قديمة لوائل وهو واقف قدام محل دهب، ومع الصورة ورقة مكتوب فيها بخط متلخبط: "مش كل الحقيقة اتقالت." الدم برد في عروقي. فضلت أبص للجملة وأنا حاسة إن الأرض بتميل بيا. مين بعت الصورة؟ وإيه الحقيقة اللي لسه مستخبية؟ حاولت أقنع نفسي إنها مجرد لعبة سخيفة، لكن من ساعتها بدأت ألاحظ حاجات غريبة. عربية

سودا كانت بتقف آخر الشارع كل يوم تقريبًا، أول ما أبص ناحيتها تتحرك. تليفونات تيجي وتسكت أول ما أرد. مرة لقيت باب الشقة مفتوح سنة صغيرة رغم إني متأكدة إني قفلته. بقيت أخاف أخرج، وأخاف أكتر أفضل جوه.

في ليلة من الليالي، صحيت على صوت ريان بيصرخ من أوضته. جريت عليه لقيته بيعيط ووشه كله عرق، بيقولي إنه شاف أبوه واقف عند الشباك بيبصله. وفضلت أقوله إنه مجرد حلم، لكن وأنا بهديه لمحت فعلاً خيال حد واقف تحت العمارة وباصص لفوق. جريت للبلكونة لكن الشارع كان فاضي. رجعت وأنا بحاول أبان قوية، لكن جوايا كان بيتكسر حتة حتة. بعدها بيومين جالي اتصال من رقم غريب. أول ما رديت سمعت نفس صوت الست اللي كانت مع وائل يوم الحادثة. صوتها كان ضعيف ومخنوق: "لازم أقابلك… فيه حاجة خطيرة." كنت هقفل في وشها، لكنها قالت بسرعة: "وائل مش لوحده… وفي حد لسه بيدور عليكم." اتجمدت مكاني. اتفقنا نتقابل في كافيه صغير العصر. روحت وأنا قلبي بيرتعش. الست كان اسمها "نهى"، شكلها مرهق جدًا وعينيها غرقانة خوف. أول ما قعدت قالت إنها من ساعة القضية وهي عايشة في رعب، وإن فيه راجل كان شريك لوائل في ديونه وبيطالبه بفلوس ضخمة، ووائل قبل ما يدخل السجن كان مقتنع إن فيه أوراق مهمة مستخبية عندي تثبت إن الشريك ده بيغسل فلوس عن طريق شركة الشحن. أنا بصيتلها بعدم فهم وقلتلها إني معرفش أي حاجة عن الكلام ده. قالت إن وائل كان مخبي مستندات وفلاشات في البيت القديم، وإن الشريك ده دلوقتي فاكر إن الأوراق معايا، وعشان كده حد بيراقبني.

رجعت البيت منهارة. فضلت طول الليل أدور وسط الكراتين القديمة

اللي خدتها من الشقة الأولى، لحد ما لقيت صندوق صغير كنت ناسيّاه. جواه أوراق قديمة، وإيصالات، وفلاشة سودة صغيرة. قلبي كان هيقف. شغلت الفلاشة على اللابتوب، ولقيت ملفات فيها حسابات وتحويلات بأرقام ضخمة وصور لعقود مزورة. وفيديو قصير لوائل بيتكلم مع راجل ضخم بوش مخيف، بيقوله: "بعد ما الفلوس تتحول هختفي فترة ومحدش هيوصل لحاجة." قفلت اللابتوب بسرعة وأنا حاسة إن المصيبة أكبر بكتير من اللي كنت فاكرة. وفي نفس اللحظة سمعت خبط جامد على الباب. اتجمدت. الخبط اتكرر أقوى، وصوت راجل قال: "افتحي يا مدام… شركة الغاز." كنت عارفة إننا مش مستنيين حد. خدت ريان بهدوء ودخلت أوضة النوم وقفلتها، واتصلت بالشرطة. الصوت بره بدأ يعلى، وبعدها سمعت حد بيحاول يفتح الباب بمفتاح. صرخت في التليفون وأنا بقول عنواني. ثواني وعدت كأنها ساعات، وفجأة المحاولة وقفت، وبعدها سمعت جري على السلم. الشرطة وصلت متأخر دقيقة، لكن الجيران قالوا إن راجلين نزلوا بسرعة وركبوا عربية سودا.

من اليوم ده حياتنا اتقلبت تاني. الشرطة أخدت الفلاشة وبدأت تحقيق جديد، واكتشفوا إن شبكة كبيرة فعلًا كانت مستخبية ورا شركة وائل، وإنه قبل سجنه كان ناوي يهرب بفلوس ضخمة بعد ما يخلص من أي حد ممكن يعطله. بقيت أنا وريان تحت حماية مؤقتة، واتنقلنا لشقة سرية كام أسبوع. ريان كان بيسألني كل يوم: "إحنا مستخبيين من مين؟" ومكنتش بعرف أشرح لطفل صغير إن الشر أوقات بيبقى أكبر من الخيال. كنت بحاول أخلي الأيام عادية، أذاكرله، أحكيله قصص قبل النوم، لكن حتى وأنا بضحك معاه كنت بسمع صوت الخوف جوايا.

وفي يوم الصبح بدري،

جالي اتصال من السجن. وائل عايز يكلمني. إيدي كانت بتترعش وأنا ماسكة السماعة. أول ما صوته جه حسيت الدنيا اسودت قدامي. قال بصوت هادي غريب: "أنتي فاكرة إنك عرفتي كل حاجة؟" مردتش. كمل وهو بيضحك ضحكة خفيفة: "في ناس مش هيسكتوا غير لما يلاقوا اللي معاكي." قلتله بكره: "لو كنت إنسان كنت خفت على ابنك." سكت ثواني، وبعدها قال لأول مرة بصوت مكسور: "أنا كل ليلة بشوفه في الحلم." قفلت السكة في وشه وأنا جسمي كله بيرتعش.

بعد شهور طويلة الشرطة قبضت على الراجل اللي كان شريك لوائل بعد مطاردة كبيرة، واتقفلت القضية أخيرًا. لكن اللي اتغير بجد مش القضايا ولا الأحكام، اللي اتغير هو أنا. بقيت أقوى بشكل عمري ما تخيلته. اشتغلت أكتر، وبدأت أساعد ستات مروا بتجارب قاسية زيي، وريان بقى أهدى شوية، رجعت ضحكته بالتدريج، وبقى يحب الرسم جدًا. كان دايمًا يرسم بيت كبير وشمس طالعة، وفي مرة رسم نفسه ماسك إيدي وقاللي: "إحنا نجينا عشان نبقى مبسوطين يا ماما." الجملة دي خلتني أعيط أكتر من أي حاجة تانية.

وفي ليلة هادية بعد سنين من كل اللي حصل، كنت واقفة في البلكونة ببص للسما، وريان نايم جوا، والهواء بارد خفيف. أدركت وقتها إن بعض الناس بيحاولوا يقتلوا غيرهم بالسم، لكن الأخطر إنهم يزرعوا الخوف جواهم للأبد. وأنا وقتها فقط فهمت إن انتصاري الحقيقي مكانش يوم وائل اتحبس، انتصاري الحقيقي كان اليوم اللي قدرت فيه أنام من غير ما أخاف، واليوم اللي ابني رجع يضحك فيه من قلبه، واليوم اللي بطلت فيه أبص ورايا وأنا ماشية. لأن النجاة مش إنك تعيش وبس… النجاة الحقيقية إن روحك نفسها ترجع

تعيش من جديد.

تم نسخ الرابط