بالوما كانت واقعة على ركبها فوق أرضية الحمام الرخام الساقعة، نفسها متقطع وعينيها معلّقين في السلسلة اللي على رقبة مستر زاراتي كأنها شافت شبح طالع من قلب الماضي، وإيديها كانت بتترعش بعنف لدرجة إنها ماقدرتش تقوم، أما هو فكان بيبصلها بحدة وارتباك لأول مرة من ساعة دخلت البيت، البرود اللي كان مغطي عينيه اختفى للحظة وحل مكانه قلق حقيقي وهو يقول بصوت أخشن من قبل إيه اللي حصل؟ لكن بالوما ماعرفتش ترد، ريقها نشف تمامًا، وعقلها رجع عشرين سنة لورا، لليلة المطرة اللي أخوها الصغير توماس خرج فيها يجيب دوا لأمهم وما رجعش بعدها أبدًا، كانت فاكرة كل تفصيلة الباب وهو بيتقفل، صوت المطر، أمها وهي واقفة عند الشباك طول الليل مستنية، وأبوها اللي خرج يدور عليه وهو بيشتم الدنيا كلها، وبعدها بأيام الشرطة قالت إن الولد غالبًا مات في السيول أو اتخطف، ومع السنين بقى مجرد وجع قديم محدش بيتكلم عنه، لكن السلسلة دي الخرزة الزرقا الهلال الصغير المحفور في الفضة دي كانت بتاعت أمها، كانت مستحيل تغلط فيها، رفعت عينيها له تاني وهمست بصوت مخنوق توماس؟ واللحظة دي خلت الراجل المتجمد قدامها يتغير وشه بالكامل، كأنه سمع اسم مدفون جواه من عمر، حاجبه اتشد وعينيه ضاقوا وهو يردد ببطء إنتِ قولتي إيه؟ بالوما قربت منه بخوف ولهفة ودموعها نازلة من غير ما تحس اسمك الحقيقي توماس؟ فضل ساكت ثواني طويلة وبعدين قال بعصبية لأ اسمي أدريان زاراتي. لكنها هزت راسها بعنف
وهي تشير للسلسلة دي كانت بتاعة أمي محدش غير توماس كان لابسها! وهنا لأول مرة إيده ارتعشت، مجرد رعشة صغيرة لكن بالوما شافتها، شافتها بوضوح، وشافت معاها خوف قديم مستخبي جواه، وبعدين لف وشه بعيد وقال ببرود مصطنع اطلعي برا. لكنها ما اتحركتش، بالعكس قربت أكتر وقالت بصلي لو إنت توماس يبقى أنا أختك. فجأة صرخ فيها بعنف خلاها تنتفض قولت اطلعي برا! لكن الصوت نفسه كان مكسور، مش صوت راجل غاضب قد ما هو صوت حد بيهرب، بالوما خرجت فعلًا وهي قلبها بيدق بجنون، والليل كله فضل في دماغها عبارة عن صور متقطعة، أخوها وهو طفل، السلسلة، عينين مستر زاراتي، والغضب الغريب اللي ظهر عليه أول ما سمع الاسم، وفي صباح اليوم اللي بعده صحيت على صوت خبط شديد على باب شقتها القديمة، فتحت لقت عربية سوداء فخمة واقفة تحت العمارة، والسواق بيقول بجدية مستر زاراتي طالبك حالًا. راحت وهي مش فاهمة حاجة، لكن أول ما دخلت القصر حسّت إن الجو كله متوتر، الخدم ساكتين، والحراسة أكتر من الطبيعي، ولما دخلت مكتبه لقت أدريان قاعد قدام الشباك وضهره ليها، أول ما سمع خطواتها قال اقفلي الباب. قلبها اتقبض، قفلت الباب ببطء، فقال من غير ما يبصلها أنتِ مين؟ قالت بسرعة أنا بالوما أخت توماس. سكت شوية وبعدين ضحك ضحكة قصيرة موجوعة وقال توماس مات من زمان. قربت منه أكتر بصلي وقوليها في وشي. لف ببطء، وعينيه كانت حمرا كأنه ما نامش، وقال بصوت واطي أنا فاكر المطر فاكر عربية وقفتلي
فاكر راجل قالي إنه هيوصلني البيت وبعدها مافيش حاجة. بالوما حطت إيدها على بقها وهي بتحاول تمنع شهقتها، أما هو فكمل صحيت بعدها في مستشفى ومعايا راجل غني قال إني ابنه. الدنيا لفت بيها، قال إن الراجل ده كان ملياردير معروف اسمه هيكتور زاراتي، وإنه قال للكل إن ابنه اتعرض لحادث وفقد ذاكرته، وكبره على إنه أدريان، ومع السنين الذكريات الحقيقية بدأت تختفي، لكن كان دايمًا عنده كوابيس عن مطر وبيت قديم وست بتعيط، وقال إنه حاول يسأل كتير عن أصله لكن هيكتور كان بيهيج بعنف كل مرة، وبعد الحادثة اللي شلته من سنتين بدأ يفتكر أكتر، خصوصًا لما الألم يزيد كان يشوف وشوش غريبة في دماغه، وش بنت صغيرة شبه بالوما وهي طفلة، وريحة شوربة أمهم القديمة، بالوما كانت بتبكي بصمت وهي تسمعه، وكل كلمة كانت بتكسر جزء جواها، لأنها فهمت إن أخوها ما ماتش اتسرق، لكن الصدمة الأكبر جت بعدها بدقايق لما دخلت الست الكبيرة اللي شغلتها، واللي اسمها إيزابيلا، وشها كان شاحب بشكل مرعب وهي تقول هو قالك الحقيقة؟ أدريان بص لها بغضب إنتِ كنتِ عارفة؟ الست قعدت ببطء وقالت كنت السكرتيرة الخاصة لأبوك الحقيقي لأدريان أو توماس. وبعدها بدأت الحكاية الحقيقية تطلع، هيكتور زاراتي كان عقيم، ومهووس بفكرة الوريث، ولما عرف إن عنده مرض هيموته قرر يعمل أي حاجة عشان يبقى عنده ابن، وفي ليلة المطر شاف طفل تايه لوحده، أخده، وزور أوراق، واشترى أطباء وشرطة، وخلق هوية جديدة بالكامل،
وبمرور السنين بقى الموضوع مستحيل يتكشف، لكن الذنب فضل ياكل إيزابيلا طول عمرها، خصوصًا بعد ما شافت أدريان بيتحول لنسخة قاسية من الرجل اللي خطفه، ولما عمل الحادثة وبقى مشلول حسّت إن الدنيا بتعاقبه، أما أدريان فكان ساكت بشكل مرعب، وبعدين بص لبالوما وقال أمنا عايشة؟ وهنا بالوما انهارت، لأن أمهم ماتت من ست سنين وهي لحد آخر لحظة مستنية ابنها يرجع، كانت كل يوم تسيب النور مفتوح وتقول يمكن توماس يعرف الطريق، وأبوهم مات بعدها بعامين من الحزن، والكلام ده كسر أدريان بطريقة ما شافتهاش قبل كده، فضل ساكت وعينيه مليانة دموع محبوسة، وبعدين لأول مرة من ساعة شافته انهار فعلًا، بكى بصمت وهو يغطي وشه بإيده، وبالوما حضنته رغم كل السنين اللي ضاعت، ورغم الغضب، لأنه في الآخر أخوها، ومن اللحظة دي حياتهم بدأت تتغير، أدريان بقى يبعت دكاترة لبراندون، وعالج إيلين، ونقلهم لبيت آمن، لكنه ماكانش بيحاول يشتري حبهم، بالعكس كان بيقضي ساعات يبص لصور أهله الحقيقيين ويحاول يفتكر، وكان كل يوم يكتشف قد إيه اتسرق منه عمر كامل، وبعد شهور بدأت الصحافة تعرف الحقيقة، فضيحة خطف طفل وتزوير هوية هزت البلد كلها، وشركات زاراتي دخلت في قضايا، لكن أدريان تنازل عن جزء ضخم من ثروته لعائلات أطفال مفقودين وملاجئ، وكأنه بيكفّر عن حياة كاملة اتبنت فوق كذبة، أما بالوما فكانت أول مرة من سنين تحس إن ربنا أخيرًا بصلها، وفي ليلة هادية بعد كل العواصف، كانت قاعدة جنب