أخوها في الجناينة، وهو على كرسيه المتحرك يبص للسما، فقالها بصوت هادي عارفة أكتر حاجة وجعتني؟ قالت إيه؟ قال إن أمي ماتت وهي فاكرة إني سبتها. مسكت إيده وقالت وهي دموعها بتنزل لأ هي ماتت وهي بتحبك ومستنياك ترجع. ولأول مرة من عشرين سنة، حس توماس أو أدريان إنه أخيرًا رجع البيت.
بعد الليلة اللي توماس رجع فيها أخيرًا لحقيقته، القصر كله اتغيّر كأن الروح رجعتله بعد سنين برد، لكن جواه هو نفسه كانت حرب أكبر من أي هدوء ظاهر، لأنه كل ما يفتح عينيه الصبح يفتكر إنه عاش عشرين سنة باسم مش اسمه، وسط ناس مش أهله، وأمه الحقيقية ماتت وهي مستنياه، والإحساس ده كان بيمزقه من جواه ببطء، وبالوما كانت الوحيدة اللي شايفة ده كله، كانت تلاحظ نظراته الطويلة للفراغ، وسكوته اللي بقى أتقل من الأول، وحتى عصبيته اختفت واتحولت لحزن ساكن يخوف أكتر من الغضب، وفي يوم طلب منها توديه للمكان اللي كانوا عايشين فيه زمان، ولما العربية دخلت الحارة القديمة، قلبه بدأ يدق بعنف كأنه بيتعرف على المكان قبل عقله، البيوت الضيقة، عمود النور المايل، البقالة الصغيرة اللي في آخر الشارع، كل حاجة كانت بتحرك جواه صور ضبابية، ولما وقف قدام البيت القديم ونزل السواق الكرسي المتحرك، فضل توماس باصص للباب الخشب المتهالك كأنه واقف قدام قبر مفتوح، وبالوما وقفت وراه وهي ساكتة، لأنه كان واضح إن اللحظة أكبر من الكلام، وبعد ثواني طويلة جدًا همس بصوت مكسور هنا كنت بجري وأنا صغير؟ بالوما دموعها نزلت فورًا وهزت راسها، فقال وهنا أمي كانت بتناديني؟ وماقدرتش ترد غير بالبكا، دخلوا البيت اللي بقى فاضي
ومترب بعد سنين، لكن ريحة الجدران نفسها خلت توماس يغمض عينيه فجأة، وإيده ارتعشت فوق مسند الكرسي، لأنه افتكر افتكر ست واقفة في المطبخ بتغني، افتكر ضحكة بالوما وهي صغيرة، افتكر حضن دافي جدًا، وفجأة بدأ ينهار، شهقات خارجة بالعافية من صدره وهو بيبكي كأنه طفل ضاع من أهله ولسه راجع، وبالوما حضنته من ضهره وهي نفسها بتترعش، لأن الوجع اللي دفنوه سنين طلع كله مرة واحدة، وبعدها بأيام بدأت الصحافة تهاجم القصر ليل نهار، كاميرات وأسئلة وعناوين صادمة عن الملياردير المخطوف، لكن توماس رفض يستخبى، بالعكس، ظهر لأول مرة قدام الناس وقال الحقيقة كاملة، قال إنه اتسرق من أهله واتربى على كذبة، وإن المال اللي عاش وسطه عمره ما عوضه عن حضن أمه الحقيقي، وكلامه قلب الدنيا، ناس اتعاطفت معاه، وناس اتهمته إنه بيدور على شهرة وتعاطف، لكن أكتر حاجة فاجأته كانت الرسائل اللي بدأت توصله من عائلات أطفال مفقودين، أمهات بيقولوله إن قصته ادتهم أمل إن عيالهم يكونوا لسه عايشين، وآباء بيبعتوله صور أولاد اختفوا من سنين، وكل رسالة كانت بتكسر قلبه أكتر، لأنه بقى شايف نفسه في كل طفل ضاع، ومن هنا أخد القرار اللي غير حياته كلها، قرر يحول جزء ضخم من ثروته لمؤسسة تدور على الأطفال المفقودين وتساعد العائلات اللي اتدمرت زي عيلته، وبالوما كانت معاه خطوة بخطوة، لكن رغم كل الخير اللي بدأ يعمله، كان فيه خوف ساكن جواه ما اختفاش، خوف إنه ما يستحقش الحب بعد كل السنين اللي عاشها كرجل قاسي ومتكبر، وده ظهر أكتر لما قرب من براندون وإيلين، الأطفال في البداية كانوا خايفين منه بسبب شكله ونظراته
الباردة، لكن مع الوقت بدأوا يشوفوا الحقيقة، خصوصًا براندون اللي بقى يقعد بالساعات جنب كرسيه يحكيله عن أفلام الكرتون وأحلامه الصغيرة، وفي يوم سأله فجأة إنت زعلان علطول ليه؟ السؤال دخل في قلبه زي السكينة، فضل ساكت شوية وبعدين قال بابتسامة حزينة عشان ضيعت وقت كتير. لكن براندون رد ببساطة الأطفال طب ما تعوضه. والكلمتين دول عملوا حاجة جواه محدش قدر يعملها، لأول مرة حس إن المستقبل لسه ممكن، وإنه مش لازم يفضل سجين الماضي، وبعد شهور بدأ العلاج الطبيعي يجيب نتيجة بسيطة، حركة خفيفة في صوابعه، بعدها في إيده، والدكاترة كانوا مذهولين، قالوا إن حالته النفسية الجديدة يمكن تكون ساعدت جسمه يحارب، وبالوما كانت أول واحدة تشجعه، كل حركة صغيرة كانت تحتفل بيها كأنها معجزة، وفي ليلة متأخرة كانوا قاعدين في الجناينة لوحدهم، الهوا دافي لأول مرة من شهور، فقالها فجأة إنتِ أنقذتيني مرتين. بصتله باستغراب، فقال مرة لما رجعتيني لعيلتي ومرة لما فكرتيني إني لسه بني آدم. قلبها وجعها من نظرته، لأنه رغم كل القوة والمال كان جواه طفل تايه محتاج حد يقوله إنه محبوب، ومن غير ما تحس قالتله إنت أخويا وعمري ما كنت هسيبك. لكنه فضل باصص لها بنظرة غريبة، أعمق من مجرد امتنان، وهي حسّت للحظة بتوتر خافت لأنها لأول مرة تستوعب إنه مش بس أخوها الضايع ده كمان راجل عاش عمر كامل بعيد عنها، وفي الأيام اللي بعدها العلاقة بينهم بقت أعقد، أقرب، مليانة مشاعر ملخبطة وخوف واحتياج، لكنهم الاتنين كانوا بيهربوا من مواجهة ده، لحد الليلة اللي قلبت كل حاجة من جديد، لما واحد من المحامين دخل
القصر متوتر وقال إن في راجل عايز يقابل توماس فورًا، وإنه بيقول إنه يعرف الحقيقة الكاملة عن اختفائه، الراجل كان عجوز جدًا ووشه مرهق، أول ما شاف توماس انهار في العياط وقال أنا كنت السواق. الدنيا سكتت للحظة، والراجل اعترف إنه ليلة المطر هو اللي أخد الطفل بأوامر من هيكتور زاراتي، لكنه أقسم إنه ماكنش يعرف إنهم هيخطفوه للأبد، كان فاكر إنها مجرد حماية مؤقتة، لكن لما فهم الحقيقة خاف واتسكت بالفلوس، وعاش طول عمره بالذنب، وبعدين طلع صورة قديمة باهتة من جيبه، صورة لطفل صغير واقف مبتسم قدام بيت قديم توماس، والصورة دي كانت آخر ضربة هدت أي شك باقي، لكن الصدمة الأكبر كانت لما العجوز قال إن هيكتور ما اختارش توماس عشوائي لا، كان مراقب العيلة من شهور، لأنه اكتشف إن أم توماس كانت زمان حب عمره الحقيقي قبل ما ترفضه وتتجوز غيره، والانتقام جننه لدرجة إنه سرق ابنها ورباه باسمه، والكلام ده خلى بالوما تحس بغثيان، أما توماس فكان وشه جامد بشكل مرعب، لأنه أدرك إن حياته كلها كانت لعبة
مريضة لرجل مهووس، وبعد ما العجوز مشي، فضل ساكت ساعات طويلة، وبعدين طلب يودوه لقبر أمه، ولأول مرة وقف قدام شاهد القبر الحقيقي وهو يقرأ اسمها بإيد بتترعش، الشمس كانت بتغيب والهوا ساكت، وبالوما واقفة بعيد تسيبه مع لحظته، لكنه فجأة قال بصوت عالي مكسور أنا آسف يا أمي والله ما سبتك بإرادتي. وانهار تمامًا، وكل الوجع اللي كتمه سنين خرج في اللحظة دي، أما بالوما فبكت معاه، لأنها أخيرًا فهمت إن بعض الناس ممكن ترجع بعد غياب عشرين سنة لكن في حتت جواهم عمرها ما بترجع زي الأول.