حماتي وشرها
مريم عمرها ما كانت من الناس اللي صوتهم يعلى بسرعة، ولا من النوع اللي بيكسر ويزعق لما يتعصب بالعكس، أكتر حاجة كانت بتخوف أي حد يعرفها إنها بتسكت. تسكت وتبص وبعدها تعمل الحركة اللي تنهي كل حاجة من غير ما ترفع صوتها.
وقفت في الجنينة ماسكة اللابتوب، والهوا البارد بيضرب وشها، وهي سامعة ضحكات أهل رضا طالعة من الصالة كأنهم في فرح، مش في بيت واحدة رجعت من سفر لقت حياتها كلها متداس عليها بالجزم. بصت ناحية المخزن اللي حاطين فيه سرير حديد قديم ومروحة مكسورة، وافتكرت أول يوم دخلت فيه البيت ده.
فاكرة نفسها وهي واقفة قدام شركة المقاولات، بتوقع الشيك الأخير بإيد بترتعش من التعب والفخر. فاكرة الليالي اللي كانت بتنام فيها على كنبة المكتب وهي بتجهز تقارير الأمن السيبراني لشركات بره مصر، فاكرة إنها كانت بتشتغل بالساعات لدرجة إن عينيها كانت بتنزف من الإجهاد. كل ده عشان تحس يوم إنها في أمان.
لكن الغلطة الوحيدة اللي عملتها إنها افتكرت إن الجواز أمان.
فتحت اللابتوب، دخلت على الإيميل، وبعتت رسالة قصيرة جداً لمحاميها معتز
نفّذ البند 14 حالاً.
رد عليها بعد أقل من دقيقة أخيراً خدتي القرار؟
كتبت دلوقتي.
رفعت عينيها ناحية البلكونة، لقت حماتها ثريا واقفة بتشرب عصير في الكوباية الكريستال اللي مريم جابتها من إيطاليا، وبتضحك مع واحدة من قرايبهم وهي بتقول البنت دي فاكرة نفسها راجل عشان معاها فلوس.
ابتسمت مريم وهي قافلة اللابتوب بهدوء.
لأن ثريا كانت فاكرة إن البيت باسم رضا.
لكن الحقيقة إن البيت عمره ما كان باسمه.
قبل الجواز بسنة، مريم
حتى عقد الجواز نفسه كان فيه بند واضح اتكتب بطلب منها الإقامة داخل العقار حق مؤقت مرتبط بموافقة المالكة القانونية.
رضا مضاشي على البند من غير ما يقرأ، لأنه وقتها كان مشغول أكتر بحاجة واحدة إنه يتجوز الست الناجحة اللي هتنقله من شقة إيجار في فيصل لفيلا في الشيخ زايد.
رجعت دخلت البيت بهدوء. كل العيون اتبصتلها، لكن محدش فهم ليه هي هادية بالشكل ده.
رضا قال وهو بيقلب في التليفزيون خير؟ خلصتي دراما؟
بصتله وقالت جداً.
ثريا اتكلمت وهي بتاكل لب روحي نامي يا حبيبتي، شكلك تعبانة.
مريم قربت من ترابيزة السفرة، شالت واحدة من قزايز البيبسي الفاضية اللي سايبينها على الرخام، ومسحت بإيدها نقطة صوص ناشفة كانت على الترابيزة وبعدها قالت بهدوء عارفين أكتر حاجة غريبة؟ إن الناس لما تحس بالأمان زيادة بتنسى تقرأ الورق.
رضا ضحك ورق إيه بس يا مريم؟
رن جرس الباب.
الكل اتلفت.
الخدامة راحت تفتح وبعد ثواني دخل أربعة رجال ببدل رسمية.
واحد منهم قال أستاذة مريم؟ تم تنفيذ الطلب.
رضا قام متعصب طلب إيه؟ وإنتوا مين؟
الرجل طلع كارنيه إدارة تنفيذ قضائي.
وفجأة الصالة كلها سكتت.
ثريا قامت واقفة تنفيذ قضائي؟!
الرجل فتح ملف وقال بهدوء بناءً على طلب المالكة القانونية للعقار،
رضا ضحك بعصبية إنتوا اتهبلتوا؟ أنا جوزها!
الرجل بص في الورق حضرتك لا تملك أي نسبة في العقار.
اللون اتسحب من وش رضا.
إزاي يعني؟ البيت باسمي!
مريم لأول مرة ابتسمت بصدق عمرك شوفت عقد الملكية بنفسك يا رضا؟
فضل ساكت.
لأنه فعلاً عمره ما شافه.
هو كان بيشوف نفسه صاحب البيت لمجرد إنه كان عايش فيه.
ثريا قربت منها وهي بتصرخ إنتي نصبتي على ابني!
مريم بصتلها ببرود أنا؟ ولا إنتوا اللي دخلتوا بيتي وطردتوني منه؟
واحدة من قرايب رضا حاولت تتكلم يا جماعة الموضوع بسيط
لكن مريم رفعت إيدها لا. الموضوع مش بسيط. الموضوع إنكم فتحتوا دولابي، رميتوا هدومي في أكياس زبالة، وشلتوا سريري، وقررتوا إن صاحبة البيت تنام في مخزن.
وبعدين بصت ناحية رضا مباشرة وأنت كنت واقف بتتفرج.
الرجالة بدأوا يسجلوا أسماء الموجودين.
العيال سكتوا.
الأغاني اتقفلت.
وفجأة البيت اللي كان من ساعة مليان صوت، بقى فيه صوت واحد بس صوت الخوف.
رضا قرب منها ووطى صوته مريم إحنا ممكن نتفاهم.
بصتله فات وقت التفاهم.
دي أمي!
وأنا مراتك أو كنت.
الكلمة وقعت عليه زي الطوبة.
ثريا بدأت تعيط وتزعق بعد ما فتحنالك بيتنا!
مريم ضحكت ضحكة قصيرة موجوعة بيتكم؟ أنا أول مرة شفت حمام من غير باب كان عندكم.
الكل سكت بإحراج.
رضا حس بالإهانة فقال بعصبية يعني الفلوس عملتك كده؟
مريم ردت فوراً لا قلة الأصل هي اللي عملتكم كده.
الكلمة خرستهم.
الساعة بقت اتنين بعد نص الليل، والشنط بدأت تتلم. قرايب رضا اللي كانوا داخلين البيت يضحكوا
واحدة من الستات كانت بتقول لثريا قولتلك بلاش الحركة دي!
وثريا كانت تبص لمريم بكره عمرها ما خبته ربنا ينتقم منك.
مريم ردت بهدوء ربنا بيكره كسر الخاطر يا طنط.
لما البيت فضي تقريباً، رضا طلع أوضتهم أو أوضة مريم بالأصح.
لقى الدولاب مفتوح وفاضي.
كل هدومها اختفت.
كل صورهم متشالة.
حتى الدبلة كانت متحطوطة فوق الكومود.
سمع صوتها من وراه بكرة الصبح محامي الطلاق هيكلمك.
لف بسرعة إنتي بتهدي بيتك بإيدك!
قالت وهي باصة حواليها لا أنا بنقذ نفسي.
قرب منها أنا بحبك.
لأول مرة دمعتها نزلت.
مش عشان صدقته
لكن عشان افتكرت قد إيه كانت نفسها تصدقه.
قالت بصوت مكسور اللي يحب حد عمره ما يسيبه ينام في مخزن.
وسابته واقف، ونزلت.
في الفجر، البيت كان هادي بشكل غريب.
مريم أخدت شاور طويل، لبست البيجامة الحرير اللي كانت محطوطة في آخر شنطة السفر، ودخلت أوضتها.
أوضتها هي.
نامت على سريرها أخيراً.
لكن قبل ما تنام، سمعت صوت عربية نقل برا.
بصت من الشباك.
كان رضا وأمه واقفين في الشارع وسط الشنط.
ثريا كانت بتبص للفيلا بصدمة كأنها لسه مستوعبة إن كل الأحلام اللي بنتها جوه البيت ده مكنتش بتاعتها.
أما رضا، فكان باصص لشباك أوضتهم.
مستني يمكن مريم تضعف.
يمكن تنزل.
يمكن تسامح.
لكن الست اللي رجعت من السفر دي مكانتش نفس الست اللي سافرت من 11 يوم.
دي واحدة فهمت أخيراً إن البيت مش المكان اللي بتنام فيه
البيت هو المكان اللي محدش يذلك فيه.
الشمس كانت طالعة ببطء على فيلا الشيخ زايد،