فلوس في المرتبة

لمحة نيوز

إسماعيل الهواري عمره ما تخيل إن اليوم اللي هيصحى فيه من النوم وميلقاش غير ألفين جنيه في حسابه البنكي، هيكون نفس اليوم اللي يكتشف فيه إن أقرب إنسانة ليه طول عمرها كانت الخدامة اللي الكل بيبصلها من فوق لتحت. زمان، اسم إسماعيل كان بيرعب السوق. أي أرض فاضية في البلد كانت بتتحول تحت إيده لكمبوندات وأبراج ومولات. الجرائد كانت بتكتب عنه إمبراطور المقاولات، والناس كانت تقول إن الفلوس بتمشي وراه. بس الدنيا مبتثبتش لحد. صفقة واحدة غلط، بعدها قضية، بعدها شريك خان الأمانة وهرب بره البلد، وبعدها البنوك بدأت تاكل في لحمه وهو لسه حي. عربية بعد عربية اتباعت، شركات اتقفلت، العمال سابوه، وأصحابه اللي كانوا بياكلوا على سفرته اختفوا كأن الأرض بلعتهم.
مراته لولا كانت أول واحدة تنط من المركب. الست اللي كانت طول الوقت عاملة نفسها عاشقة ومخلصة، أول ما عرفت إن الفيزا اترفضت والرحلات وقفت، بقت تبص له بقرف. وفي ليلة مطر، وهي واقفة قدام المراية بتحط روج، قالت له بمنتهى البرود أنا متجوزتش راجل فقير يا إسماعيل. ساعتها حس إن الكلمة اتغرست في قلبه زي السكينة. حاول يمنعها، حاول يفكرها بسنين العشرة، بس هي كانت حاسمة. خدت شنطها ومجوهراتها، وحتى بعض الأوراق المهمة من المكتب، ومشت من غير ما تبص وراها.
بعدها البيت بقى مقبرة. قصر ضخم، بس كله فراغ. كل يوم إسماعيل يقعد في المكتب بالساعات، يبص للحيطان ويسمع صوت نفسه وهو بيتكسر. والوحيدة اللي فضلت موجودة كانت رزقة. ست بسيطة جاية

من حي شعبي، شعرها دايمًا مربوط بإيشارب قديم، وإيديها متشققة من كتر الشغل، لكن قلبها أحن من ناس كتير لابسين بدل ومستوردين عطور بآلاف.
رزقة كانت بتصحى قبل الفجر، تعمل له الفطار حتى لو عارفة إنه مش هياكل، تنظف البيت اللي محدش عايش فيه غير الذكريات، وتدخل تحط له بطانية بالليل لما ينام على الكنبة من غير ما يحس. عمرها ما طلبت مرتبها المتأخر، ولا اشتكت، ولا قالت كلمة تضايقه.
وفي يوم، إسماعيل خلاص حس إنه انتهى. بص لرزقة بعين مكسورة وقال أنا مبقتش قادر أدفع لك يا رزقة دوري على شغل تاني. ابتسمت ابتسامة هادية وقالت وأسيبك لمين يا باشا؟ أنا خدت خير من البيت ده أكتر ما أخدت من أي حد.
الكلام خنقه وقتها، بس مع ذلك كان شايف إنها بتواسيه وخلاص. لحد اليوم اللي رجع فيه بدري وشاف أكوام الفلوس في أوضتها.
الصدمة كانت أكبر من عقله. الرزم فوق السرير، وفي الشنط، وحتى تحت المخدة. منظر عمره ما شافه حتى أيام غناه. رزقة كانت مرعوبة، وإسماعيل حس إن قلبه هيقف.
ولما قالت له إن الفلوس دي فلوسه، افتكر فجأة حاجات كتير كان ناسيها. افتكر لما كان يرجع سكران ويرمي آلاف الجنيهات على الترابيزة ويقول خدي يا رزقة أي حاجة. افتكر لما كان يديها بقشيش مرتب شهر كامل عشان عجبه طاجن بامية. افتكر إنه عمره ما حسبها، لأنها كانت بالنسبة له فكة.
لكن بالنسبة لرزقة، كانت حياة.
رزقة بدأت تحكي، وصوتها كله رجفة أنا اتربيت فقيرة يا باشا وأبويا مات مديون، وأمي ماتت وهي خايفة من بكرة. أول ما اشتغلت
هنا، قلت مستحيل أعيش وأموت مكسورة زيهم.
قالت له إنها كانت بتحوش كل جنيه. تعمل جمعيات، تدخل شراكات صغيرة مع ستات منطقتها، تشتري دهب وقت الرخص وتبيعه وقت الغلا، تشغل الفلوس بدل ما تنام تحت البلاطة. ومع السنين، المبالغ الصغيرة بقت ثروة.
إسماعيل كان مذهول. الست اللي طول عمره شايفها مجرد خدامة، طلعت أذكى من رجال أعمال كتير.
بس المفاجأة الحقيقية مكانتش الفلوس.
لما رزقة قامت وفتحت الدولاب القديم، طلعت ملف ضخم مليان عقود وأوراق رسمية. حطتهم قدامه وقالت دي بقى الحقيقة اللي عمري ما كنت عايزة أقولها.
إسماعيل فتح أول عقد واتصدم أكتر. أراضي، مخازن، عمارات كلها متسجلة باسم رزقة عبد الرحيم.
صرخ إيه ده؟!
رزقة بصت له بعين مليانة دموع وقالت زمان لما المشاكل بدأت، كان فيه ناس عايزين يلبسوك قضايا وياخدوا كل حاجة. المحاسب القديم بتاعك الله يرحمه قالي إن الحل الوحيد إن بعض الأملاك تتنقل باسم حد محدش يشك فيه. حد بسيط محدش يبص له. وأنت وقتها كنت مشغول ومش مركز، فوقعت على التوكيلات من غير ما تقرا.
إسماعيل افتكر فعلًا. أيامها كان بيوقع مئات الورق من غير تركيز.
رزقة كملت أنا كنت بحميك يا باشا والله العظيم ما كنت ناوية آخد حاجة.
إسماعيل قعد على الكرسي وحط إيده على وشه. لأول مرة من سنين يحس بالخجل. الراجل اللي كان شايف نفسه فاهم الدنيا، اتضح إنه كان عايش وسط ناس مزيفة، بينما الست البسيطة دي كانت بتحارب عشانه في الضل.
وفجأة، باب الفيلا اتفتح بعنف.
لولا رجعت.
لابسة
نضارة غالية وريحة برفانها مالية المكان، كأنها متأكدة إن الفلوس رجعت. أول ما دخلت وشافت الرزم والعقود، عينيها لمعت بجشع.
قالت بسرعة أنا عرفت إن الأزمة اتحلت! كنت عارفة إنك مستحيل تقع يا إسماعيل.
إسماعيل بصلها بسخرية موجعة عرفتي منين؟
تلجلجت شوية وقالت الناس بتتكلم وأنا مهما حصل مراتك.
رزقة كانت ساكتة، لكن لولا أول ما شافتها قالت باحتقار وأنتِ إيه اللي مقعدك هنا لحد دلوقتي؟
إسماعيل وقف مرة واحدة، وصوته لأول مرة رجع قوي الست دي أشرف منك بمية مرة.
لولا اتصدمت. حاولت تقرب منه وتمثل البكا، لكنه كان خلاص شاف حقيقتها. ولأول مرة في حياته، فهم إن الإنسان ممكن يبقى فقير ومعاه كنز، وممكن يبقى غني وهو أفقر خلق الله.
لكن لولا مكانتش ناوية تستسلم. بعد أيام، إسماعيل اكتشف إن فيه أوراق ناقصة من الخزنة القديمة. رزقة وقتها اعترفت إنها كانت شاكّة في لولا من زمان، وإنها خبّت نسخة من كل العقود في مكان محدش يعرفه.
وبالفعل، بعدها بأسبوع، الشرطة قبضت على محامي فاسد كان بيحاول يبيع أرض من أملاك إسماعيل بعقود مزورة والعقل المدبر كان لولا نفسها.
الفضيحة قلبت البلد. الجرايد اللي زمان كانت بتنشر صورها في حفلات الخير، بقت تتكلم عن خيانتها وطمعها. وكل الناس بدأت تبص لرزقة باحترام عمرها ما خدته قبل كده.
أما إسماعيل، فبدأ من جديد. بس المرة دي بشكل مختلف. باع الفيلا الكبيرة، وفتح شركة صغيرة باسمه الحقيقي من غير استعراض. ورزقة بقت شريكته الرسمية، رغم اعتراض الناس وسخريتهم.

وفي يوم افتتاح الشركة الجديدة،
تم نسخ الرابط