فلوس في المرتبة

لمحة نيوز

الصحفيين سألوه مين أكتر حد وقف جنبك في سقوطك؟
إسماعيل بص لرزقة اللي كانت واقفة بعيد لابسة جلابية بسيطة كعادتها، وقال الست اللي الناس كانت فاكرها خدامة وهي في الحقيقة كانت ستر من عند ربنا.
رزقة دموعها نزلت، لكنها ابتسمت لأول مرة براحة.
وبعد شهور، إسماعيل عرف سر أخير كانت مخبياه طول الوقت رزقة كانت بتبعت فلوس لدار أيتام كامل من غير ما تقول لحد، وكانت متكفلة بعلاج أطفال ميعرفوش حتى اسمها.
ولما واجهها، ضحكت وقالت الفلوس يا باشا لو مدخلتش قلب حد محتاج تبقى مالهاش لازمة.
ساعتها إسماعيل فهم إن أغنى إنسان في البيت عمره ما كان هو.
بعد اللي حصل، اسم إسماعيل الهواري رجع يتقال تاني في السوق بس المرة دي الناس ماكنتش بتتكلم عن إمبراطور المقاولات اللي كان بيركب عربيات مصفحة ويتصور في المجلات، لأ كانوا بيتكلموا عن الراجل اللي وقع وقام من تحت التراب، وعن الست الغلبانة اللي أنقذته وهو نفسه كان فاكر إنها مجرد خدامة.
الشركة الجديدة كانت صغيرة جدًا مقارنة بالماضي. مكتب إيجار في عمارة قديمة، تلات موظفين بس، ومروحة سقف بتزيق طول اليوم. لكن إسماعيل لأول مرة كان حاسس براحة. مفيش شراكات قذرة، مفيش رشاوي، مفيش ناس بتضحك في وشه وهي مستنية لحظة سقوطه.
رزقة كانت تيجي كل يوم بدري، تكنس المكتب بنفسها وترفض أي عامل نظافة. ولما إسماعيل يقول لها إنتِ دلوقتي شريكتي يا رزقة، مش شغالة. ترد وهي
بتضحك وأنا ماليش غير الشغل يا باشا أصل الراحة بتجيب المرض.
لكن اللي محدش كان يعرفه إن الماضي ماكنش خلص.
في ليلة شتا تقيلة، إسماعيل كان قاعد لوحده في المكتب بيقلب في ملفات قديمة، وفجأة لقى ورقة صغيرة مستخبية جوه عقد أرض قديم. الورقة كانت مكتوب فيها بخط إيده لو حصلي حاجة دور على يوسف.
الاسم خبطه زي الرصاصة.
يوسف.
الاسم اللي دفنه جواه من أكتر من عشرين سنة.
رزقة دخلت عليه بكوباية شاي، وأول ما شافت وشه شاحب سألت بخضة مالك يا باشا؟
إسماعيل فضل ساكت شوية، وبعدها قال بصوت مكسور أنا عندي ابن.
رزقة اتجمدت مكانها.
إسماعيل حط الورقة قدامه وكأنه بيعترف بجريمة قبل ما أتجوز لولا بسنين حبيت بنت اسمها نادية. كنا فقراء وقتها، ولما بدأت أغتني أبوها رفضني. بعدها اختفت فجأة، ولما دورت عليها ملقتهاش. وبعد سنين جالي جواب بيقول إن عندي ابن منها اسمه يوسف بس وقتها كنت غرقان في الشغل والفلوس، ودورت يومين ونسيت.
رزقة بصت له بصدمة واشمئزاز مكتوم نسيت ابنك؟
الكلمة وجعته أكتر من أي إهانة.
ومن الليلة دي، إسماعيل مبقاش ينام. بقى يدور على يوسف في كل مكان. يسأل في الحواري القديمة، يفتح ملفات قديمة، حتى راح المقابر يدور على اسم نادية.
وفي يوم، واحد عجوز في قهوة شعبية قال له يوسف؟! أيوه فاكره أمه ماتت من زمان، والواد طلع شقي أوي. دخل سكة غلط.
قلب إسماعيل وقع.
وبعد بحث طويل، عرف الحقيقة يوسف
بقى واحد من أخطر تجار السلاح في المنطقة الصناعية.
الصدمة خلت رجليه متشلش.
ابنه بقى مجرم.
رزقة حاولت تهديه الحقه قبل ما الدنيا تاكله أكتر.
وبالفعل، إسماعيل راح له.
المخزن اللي كان يوسف قاعد فيه ريحته بارود ودخان، والرجالة حواليه شايلين أسلحة. أول ما إسماعيل دخل، شاب طويل بعينين حادتين بص له باحتقار.
يوسف.
نفس ملامحه نفس نظرته زمان.
إسماعيل قرب منه وقال برجفة أنا أبوك.
يوسف ضحك ضحكة مرعبة وقال أبويا مات من زمان.
إسماعيل حاول يشرح، لكن يوسف كان مليان كره سنين. صرخ فيه أمي ماتت وهي بتبيع هدومها عشان تأكلني! كنت فين؟! كنت بتبني قصور؟!
الكلام كان بيقطع إسماعيل حتت.
لكن المصيبة الأكبر، إن يوسف كان شغال مع واحد اسمه حسن التركي تاجر كبير معروف إنه بيخلص من أي حد يعارضه.
ولما حسن عرف إن يوسف طلع ابن إسماعيل الهواري، ابتسم بخبث. لأنه كان بينه وبين إسماعيل عداوة قديمة جدًا.
ومن هنا بدأت الحرب الحقيقية.
عربيات بتراقب البيت، تليفونات تهديد، ومحاولات حرق للشركة الجديدة. رزقة بقت تنام وهي حاطة سكينة تحت المخدة. وإسماعيل لأول مرة حس إنه ممكن يخسر كل حاجة تاني بس المرة دي مش فلوس، ابنه.
وفي ليلة سودا، يوسف اتضرب بالنار.
رزقة هي اللي اتصلت بإسماعيل وهي بتصرخ الحق ابنك! مرمي قدام الشركة!
إسماعيل جري عليه وهو بينزف، وشاله بإيده للمستشفى. ولأول مرة في حياته، حضن ابنه وهو بيعيط
سامحني يا ابني سامحني.
يوسف كان بين الحياة والموت، لكن قبل ما يفقد الوعي، قال كلمة واحدة متسيبنيش
الكلمة كسرت قلب إسماعيل.
أيام كاملة قعد جنب سريره، لا أكل ولا نام. رزقة كانت تجيب له القهوة وتقعد تدعي تحت نفسها.
لكن حسن التركي ماكنش خلص.
بعت رسالة واضحة الدور الجاي على الست رزقة.
ومن اللحظة دي، إسماعيل فهم إن رزقة بقت نقطة ضعفه الحقيقية.
بدأ يحاول يقنعها تبعد وتسافر أي محافظة تانية، لكنها رفضت بعناد أنا مش ههرب طول ما إنت وابنك محتاجني.
وفي ليلة، الكهربا قطعت فجأة في البيت القديم اللي كانوا ساكنين فيه. صوت تكسير، بعدها ريحة بنزين.
ناس حسن التركي كانوا جايين يحرقوا البيت.
إسماعيل خرج يجري، لكن النار كانت مسكت بسرعة. وفجأة افتكر إن رزقة فوق.
صرخ باسمها بجنون، وطلع يجري وسط النار. الدخان كان خانق، والسقف بيقع حتة حتة.
ولما لقاها، كانت محبوسة تحت دولاب واقع. حاول يشيله بإيده لحد ما إيده اتجرحت واتملت دم.
رزقة كانت بتبص له وسط النار وتقول سيبني يا باشا اخرج إنت.
لكنه صرخ بعنف أنتِ أنقذتيني طول عمري مستحيل أسيبك!
وبآخر قوته، قدر يطلعها قبل ما السقف ينهار بثواني.
البيت اتحرق بالكامل.
كل الذكريات الصور الورق القديم اتحول رماد.
لكن وهم قاعدين قدام البيت المحروق والفجر بيطلع، رزقة بصت لإسماعيل وقالت بهدوء عارف يا باشا؟ يمكن ربنا حرق البيت عشان نبدأ صح.
إسماعيل بص لها
طويل ولأول مرة من سنين طويلة جدًا، حس إن عنده عيلة حقيقية.

تم نسخ الرابط