عزمت خطيب بنتي ع العشا
وفي أحد الأيام، بينما كنت أرتب خزانة مريم، وجدت صندوقًا صغيرًا مخفيًا خلف الملابس. فتحته بحذر، فوجدت داخله عشرات الأوراق الصغيرة المكتوب عليها بخط يدها. كانت مجرد جمل قصيرة كتبتها في أوقات مختلفة. قرأت أول ورقة، فشعرت بقلبي ينقبض:
"اليوم غضب لأنني تأخرت عشر دقائق عند الخباز."
ورقة أخرى: "قال إن صوت ضحكتي مرتفع أمام الناس."
وثالثة: "أصبحت أخاف أن أقول رأيي حتى لا يظن أنني أعاند."
أما الورقة الأخيرة فكانت الأصعب: "لم أعد أعرف نفسي."
جلست على الأرض وقتها وأنا أبكي بصمت. ابنتي كانت تنهار ببطء أمامي، وأنا كنت أظن أنها فقط تمر بفترة توتر قبل الزواج.
وفي المساء، حين عادت من العمل، لم أخبرها أنني رأيت الأوراق. فقط احتضنتها طويلًا دون كلام. شعرتُ بها تتفاجأ في البداية، ثم بدأت تبكي بهدوء فوق كتفي. قالت بصوت مكسور: "كنت أخاف أن تريني ضعيفة يا أمي." أمسكت وجهها بين يدي وقلت: "الإنسان لا يصبح ضعيفًا لأنه خاف… بل لأنه يبقى وحده وهو خائف."
تدريجيًا بدأت مريم تتغير فعلًا. عادت لعملها القديم في محل تصميم الديكور، وعادت تضحك مع زميلاتها، وبدأت تهتم بنفسها من جديد.
وفي أحد الأيام، حدث شيء لم نكن نتوقعه.
كنا في السوق الشعبي نشتري بعض الحاجيات، حين تجمدت مريم فجأة وهي تمسك بذراعي بقوة. التفتُّ بسرعة لأعرف السبب، فرأيته.
سامي.
كان يقف بعيدًا قرب محل الفواكه، ينظر نحونا مباشرة.
شعرتُ بقلب مريم يرتجف من شدة قبضتها على يدي. للحظة عاد الخوف القديم كله إلى وجهها، لكن الغريب أن سامي لم يقترب. فقط ظل واقفًا يراقبنا بنظرة باردة. ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وغادر ببطء وسط الزحام.
عدنا إلى البيت ومريم صامتة طوال الطريق. وحين دخلنا الشقة، جلست على الكرسي وكأنها فقدت كل قوتها دفعة واحدة. قالت بصوت مرتعش: "أشعر أنه لن يتركني أبدًا."
اقتربت منها وقلت بحزم: "لن يستطيع إيذاءك بعد اليوم."
لكن الحقيقة أنني أنا أيضًا كنت خائفة.
وفي تلك الليلة، وبينما كنت أحاول النوم، سمعت صوت إشعار من هاتف مريم في الغرفة المجاورة. ثم سمعت شهقتها. دخلت بسرعة فوجدتها تحدق في الشاشة ووجهها شاحب. أخذت الهاتف منها، وكانت هناك رسالة من رقم مجهول
"تظنين أنكِ انتصرتِ؟"
لم أنم حتى الصباح.
في اليوم التالي، ذهبنا إلى قسم الشرطة وأبلغنا عن الرسالة. وبعدها أخبرت إخوتي بالأمر، وبدأ الجميع يراقب الوضع بحذر. لكن أكثر ما أوجعني لم يكن الرسائل نفسها… بل رؤية الخوف يعود ببطء إلى ابنتي بعدما بدأت بالكاد تتعافى.
ومع ذلك، حدث شيء غير متوقع قلب الأمور كلها.
بعد أسبوع تقريبًا، طرقت باب بيتنا امرأة في أواخر الثلاثينات لم أرها من قبل. كانت مترددة جدًا وهي تسأل عن مريم. أدخلتها بحذر، وجلست بصمت للحظات قبل أن تقول جملة جعلت الدم يبرد في عروقي:
"أنا أيضًا كنت مخطوبة لسامي قبل سنوات."
رفعت مريم رأسها بسرعة، بينما بدأت المرأة تحكي قصتها. كانت مختلفة في التفاصيل… لكنها متشابهة بشكل مرعب في الجوهر. قالت إنه كان يراقبها باستمرار، ويتدخل في كل شيء يخص حياتها، ويجعلها تشعر بالذنب إذا خالفته في أي أمر. ومع الوقت أصبحت تخاف حتى من الحديث أمامه بحرية. وفي النهاية تركته بعد أن شعرت أنها تختنق.
وبعد أيام قليلة، ظهرت فتاة ثانية.
ثم ثالثة.
كل واحدة تحمل القصة نفسها تقريبًا.
حينها فقط أدركت مريم شيئًا مهمًا جدًا… المشكلة
كانت المشكلة فيه منذ البداية.
رأيت هذا الإدراك يغيرها تدريجيًا. بدأت تستعيد ثقتها بنفسها، وبدأ صوتها يصبح أقوى. حتى جلستها تغيرت. لم تعد تلك الفتاة التي تنكمش بخوف كلما ذُكر اسمه.
وفي إحدى الليالي، كنت أعد الشاي في المطبخ حين سمعتها تتحدث عبر الهاتف بصوت ثابت وواضح. كانت إحدى الفتيات الجدد تبكي لأنها تمر بتجربة مشابهة مع شخص آخر، ومريم كانت تهدئها وتقول:
"الخوف لا يعني أنكِ ضعيفة… يعني فقط أنكِ تعرضتِ لضغط طويل."
وقفتُ خلف الباب أستمع إليها، وشعرتُ بعينَيّ تمتلئان بالدموع.
ابنتي التي كانت ترتجف بصمت قبل أشهر…
أصبحت الآن تساعد غيرها على الوقوف.
وفي مساء هادئ بعد فترة طويلة، كنا نجلس على السفرة نفسها التي بدأت فوقها كل الحكاية. وضعتُ الطعام أمام مريم، ثم سقطت الشوكة فجأة من يدها على الأرض.
تجمدنا كلتانا للحظة.
رأيت التوتر يمر سريعًا في عينيها… ثم فجأة بدأت تضحك.
تضحك بصدق.
تضحك حتى دمعت عيناها.
ثم نظرت إليّ وقالت: "تخيلي… كنت أظن أن حياتي انتهت بسبب شوكة."
ضحكتُ معها رغم دموعي، ومددت يدي أمسك يدها فوق الطاولة.
وفي تلك اللحظة بالذات…
فهمت
بل لأنه يتذكر الألم… دون أن يعود أسيرًا له.