توفي زوجي في حادثة
وهو مذهول وانتهى كل شيء. الشرطة وصلت بعدها بدقايق، لأن ياسين كان باعت الأدلة كلها قبل المواجهة الأخيرة. الشبكة اتكشفت، عشرات الأسماء الكبيرة وقعت، والقضية قلبت البلد.
أما سارة ماتت في المستشفى بعد ساعات. لكن قبل ما تموت، طلبت تشوف إميلي. لما دخلت لها، سارة كانت بتتنفس بالعافية. مسكت إيد أختها وهمست أنا فعلًا خنتكم بس عمري ما كنت أقدر أقتل ياسين. وبكت وهي بتقول سامحيني. إميلي حضنتها لأول مرة من شهور، وهي حاسة إن قلبها بيتكسر. لأن الحقيقة عمرها ما كانت أبيض وأسود وكل واحد فيهم كان ضحية بطريقة مختلفة.
بعد سنة، إميلي كانت واقفة قدام البحر مع ياسين وولادهم. الحياة ما رجعتش زي الأول، والجروح ما اختفتش لكنهم نجوا. وياسين بص لها وقال عارفة أصعب حاجة؟ قالت إيه؟ ابتسم بحزن وقال إن أكتر الناس اللي بنخاف منهم بيبقوا أحيانًا أكتر ناس محتاجة تنقذها. وإميلي وقتها بس فهمت إن ليلة الحادثة ما قتلتش جوزها وبس دي قتلت البراءة اللي كانوا فاكرين إن الدنيا لسه فيها منها.
بعد مرور سنة على سقوط كمال الدمنهوري وانكشاف الشبكة كلها الناس بدأت تنسى. الجرائد بطلت تكتب، البرامج لقت قضايا أحدث، وحتى اسم ياسين اختفى بالتدريج من الأخبار. لكن بالنسبة لإميلي الكابوس ماخلصش أبدًا. كانت كل ليلة تصحى مفزوعة على صوت فرامل عربية، أو تتخيل إن حد واقف يراقب العمارة من بعيد. وياسين نفسه اتغير بقى قليل الكلام، يسهر بالساعات يبص من الشباك، وكأنه مستني خطر يرجع في أي لحظة.
وفي ليلة شتوية باردة، كان المطر
قالت بصوت مخنوق لسه مش قادر تنساها؟
ياسين سكت شوية، وبعدها قال في حاجات ماقولتهالكِش.
إميلي حسّت بخوف قديم بيرجع ينهش قلبها. قربت منه ببطء وقالت يعني إيه؟
فتح الكرتونة بإيده المرتعشة، وطلع موبايل قديم متكسر. ده موبايل سارة البوليس سلّمهولي بعد موتها. مقدرتش أفتحه غير من يومين.
إميلي شهقت وهي تشوف عشرات الرسائل الصوتية، كلها متسجلة قبل موت سارة بأيام. ياسين ضغط على واحدة منهم وفجأة صوت سارة ملي الأوضة
لو حصلي حاجة يبقى اعرفوا إن كمال ماكانش الرأس الكبيرة في حد أعلى منه بكتير. حد الشرطة نفسها بتحميه.
إميلي حسّت إن الدم انسحب من جسمها.
الرسالة اللي بعدها كانت أبشع ياسين لو إنت سامعني، يبقى أنا فشلت. الراجل اللي اسمه الخواجة عرف إنك لسه عايش. اهرب ومتثقش في أي حد.
الاسم نزل عليهم زي الصاعقة.
الخواجة الاسم اللي كان بيتقال همس وسط رجال كمال، الاسم اللي محدش شاف صاحبه الحقيقي أبدًا.
إميلي قالت بخوف يعني كل اللي حصل ماكنش النهاية؟
ياسين بص لها بعين مرهقة إحنا كنا بنحارب مجرد واجهة.
في الليلة دي، قرروا يفتحوا باقي تسجيلات سارة. وكل تسجيل كان أسوأ من اللي قبله. أسماء رجال أعمال، ضباط، سياسيين، حسابات بملايين الدولارات، وصفقات
صوت سارة كان فيه رعب حقيقي الخواجة عنده شخص جوه بيتكم.
إميلي اتجمدت.
بدأت تبص حواليها بانهيار مين؟!
وياسين فجأة افتكر حاجة المدير اللي سلّمه الملف أول مرة.
راجل اسمه نادر.
نادر كان دايمًا هادي، محترم، وساعدهم يهربوا وقت الأزمة. لكن فجأة ياسين افتكر إن نادر كان دايمًا يعرف أماكنهم الجديدة بسرعة وكان أول شخص يوصل بعد أي مصيبة.
وفي اللحظة دي بالذات رن جرس الباب.
الساعة كانت ٢ بعد منتصف الليل.
إميلي همست محدش يعرف عنواننا.
جرس الباب رن تاني وبعدين تالت.
ياسين سحب المسدس القديم اللي مخبيه من أيام هروبه، وقرب بهدوء ناحية الباب. أما إميلي فحضنت الأطفال اللي صحوا مرعوبين من الصوت.
ومن وراء الباب جالهم صوت نادر
افتح يا ياسين لازم نهرب حالًا.
ياسين فتح الباب نص فتحة وهو مشدود.
نادر كان متبهدل، هدومه كلها تراب ووشه مليان دم. أول ما دخل قال هما عرفوا مكانكم.
إميلي سألت بخوف مين هما؟
لكن قبل ما يرد طلقة نار اخترقت الشباك.
الزجاج انفجر، ونادر وقع على الأرض وهو بيصرخ. ياسين طفى النور بسرعة، والبيت غرق في الضلمة. بره كان فيه عربيات سودا بتحاصر العمارة.
وصوت واحد في مكبر صوت بيقول سلّموا الملفات وإلا البيت كله هيتحرق.
الأطفال كانوا بيعيطوا، وإميلي حاسة إنها رجعت لنفس الجحيم من جديد. لكن نادر مسك إيد ياسين وقال اسمعني الخواجة مش عايز الملفات هو عايز ابنك.
إميلي صرخت ابني؟!
نادر قال وهو بينزف ابنك شاف حاجة ليلة الحادثة حاجة محدش
وفجأة إميلي افتكرت.
ابنهم الصغير يوم جنازة ياسين كان بيكرر جملة غريبة الراجل أبو عين زرقا كان زعلان من بابا.
وقتها افتكروه بيهذي.
لكن دلوقتي كل حاجة بدأت تتقفل زي اللعنة.
ياسين بص لابنه المصدوم وقال إنت شفت الخواجة؟
الطفل هز راسه بخوف كان واقف جنب العربية وكان بيبص لبابا قبل العربية ما تقع.
صمت مرعب نزل على المكان.
يعني الخواجة كان موجود بنفسه ليلة الحادثة.
وفجأة الكهرباء قطعت تمامًا.
وبدأوا يسمعوا خطوات فوق سطح العمارة.
حد نازل لهم.
حد جاي يخلّص عليهم بنفسه.
ياسين أخد إميلي والأطفال ونادر ونزلوا بسرعة ناحية الجراج السفلي. صوت الرصاص فوقهم، وصوت رجال بيكسروا باب الشقة. أول ما وصلوا الجراج، نادر طلع مفاتيح عربية قديمة وقال العربية دي مجهزة اهربوا على المينا القديم.
لكن قبل ما يركبوا نور عالي ضرب وشوشهم.
عربية سوداء وقفت قدامهم ببطء.
ونزل منها راجل طويل، شعره أبيض، وعينه زرقا فعلًا.
الخواجة.
كان مبتسم بهدوء مرعب، وكأنه متأكد إن اللعبة انتهت.
بص للطفل الصغير وقال تعالى يا بطل أنا بس عايز أتكلم معاك.
إميلي حضنت ابنها بجنون، وياسين رفع المسدس فورًا.
لكن الخواجة ضحك لو قتلتني عمرك ما هتعرف مين قتل أبوك الحقيقي يا ياسين.
الجملة خبطت ياسين كالرصاصة.
إيه؟!
الخواجة قرب خطوة وقال أبوك ما ماتش طبيعي زي ما إنت فاكر.
إميلي بصت لياسين بصدمة. وياسين نفسه بدأ يتراجع وهو مذهول.
الخواجة ابتسم أكتر أنت متورط في اللعبة دي من قبل ما تتولد حتى.
وفجأة نادر رفع المسدس
وقال ببرود آسف يا صاحبي بس مافيش حد بيهرب من الخواجة.