بعد ما فوقت من الغيبوبة

لمحة نيوز

أنا اسمي إيزابيل… وعشت أغرب 12 يوم بين الحياة والموت، 12 يوم كنت فيهم سامعة كل حاجة، حاسة بكل دمعة بتنزل على إيدي، وكل كلمة غدر بتتقال فوق راسي وأنا عاجزة حتى أفتح عيني. الناس كانت فاكرة إني خلاص انتهيت، لكن الحقيقة إن روحي كانت ماسكة في الدنيا عشان خاطر ابني “ياسين” وبس. ياسين كان عنده 9 سنين، طفل صغير، لكن قلبه كان أكبر من رجالة كتير. كل يوم كان يدخل أوضتي في المستشفى بعد ما الكل يمشي، يقفل الباب بهدوء، ويحط راسه على إيدي ويهمس: “قومي يا ماما… أنا خايف.” وأنا من جوايا كنت بصرخ إني سامعاه، لكن جسمي ماكانش بيساعدني.

قبل الحادثة بأسبوع، حياتي كانت بدأت تتقلب بشكل غريب. جوزي شريف بقى شخص تاني. بقى عصبي، عينه فيها طمع مخيف، وكل كلامه حوالين الفلوس والأوراق والشركة اللي ورثتها عن أبويا. أنا أصلًا كنت صاحبة سلسلة معارض كبيرة، لكن شريف كان دايمًا بيحب يبان قدام الناس إنه الراجل المسيطر، وإن كل حاجة باسمه. كنت سايباه يحس بكدة عشان البيت يمشي، لكن الفترة الأخيرة بدأ يضغط عليا أتنازل عن أسهمي كلها. كل يوم نفس الكلام: “لازم نأمن مستقبلنا.” لكن جواه كان فيه جشع أكبر بكتير من كلمة مستقبل.

أختي ريهام كانت أقرب إنسانة ليا. أو على الأقل ده اللي كنت فاكراه. كانت تدخل بيتي براحتها، تاكل معايا، تنام عندي، تضحك مع ابني، وتقول للناس: “إيزابيل دي نص روحي.” لكن فيه حاجة كانت غلط. نظراتها لشريف كانت طويلة زيادة، وسكوتهم لما أدخل فجأة كان غريب. مرة دخلت المطبخ لقيتهم واقفين ساكتين، أول ما شافوني شريف قال بسرعة: “كنا بنتكلم في شغل.” لكن قلبي وقتها دق دقة خوف عمري ما نسيتها.

قبل الحادثة بيوم، ياسين دخل عليا أوضتي وشه أصفر ومرعوب. قال لي: “ماما… بابا كان بيزعق لخالتي تحت.” استغربت وسألته: “سمعت إيه؟” سكت شوية وقال: “كان بيقول لها لو إيزابيل ممضتش يبقى مفيش حل تاني.” الدم جمد في عروقي، لكني حاولت أطمنه. قلت يمكن سوء تفاهم. يمكن أنا بتهيألي. لكن

ياسين كان ذكي جدًا… وهادئ بشكل يخوف. بعدها قال لي جملة عمري ما هنساها: “أنا صورتهم.” وقتها ضحكت وقلت: “صورت مين يا حبيبي؟” قال: “بابا وخالتي… كانوا بيتخانقوا جنب العربية.” وأوراني فيديو مهزوز مدته دقايق، لكن اللي فيه كان كفاية يهد الدنيا. شريف كان واقف عند عربيتي، وميكانيكي غريب بيقول له: “كدة الفرامل هتمسك متأخر… بس الموضوع خطر.” وشريف رد: “المهم يحصل اللي إحنا عايزينه.” الفيديو وقف وقتها لأن ياسين خاف وقفله.

واجهت شريف. قلت له: “إيه اللي كنت بتعمله في العربية؟” وقتها شفت لأول مرة وشه الحقيقي. ملامحه بقت جامدة بشكل مرعب وقال: “بطلي تجسس وعيشي دور الزوجة.” بعدها بساعات طلب مني أخرج معاه العين السخنة عشان “نصفي الجو”. كنت مترددة، لكن ياسين كان عند مامته الكبيرة، فوافقت. طول الطريق كان ساكت بشكل غريب، وعينه على الطريق بس. وفجأة مدلي ورق وقال: “امضي.” بصيت لقيتها أوراق تنازل كاملة عن كل أملاكي. قلت له مستحيل. ساعتها ابتسم ابتسامة باردة وقال: “براحتك.” وبعدها بدقايق الفرامل ما استجابتش.

فاكرة صوت العربية وهي بتلف… صوت الحديد… صوت الزجاج… وبعدها ظلام.

لكن الظلام ماكانش نهاية.

في المستشفى كنت سامعة كل حاجة. الدكتور مرة قال: “في استجابة بسيطة.” وشريف رد ببرود: “يعني هتفوق؟” الدكتور قال: “الله أعلم.” بعدها شريف خرج وهو متعصب، وسمعته بيقول لريهام: “لو فاقت إحنا انتهينا.”

أكتر حاجة وجعتني مش الخيانة… ولا محاولة قتلي… أكتر حاجة وجعتني إن أختي كانت جزء من كل ده. كانت تدخل الأوضة تبصلي بشفقة مزيفة وتقول للممرضات: “يا حبيبتي يا إيزابيل… كانت أطيب واحدة.” وبعد ما يخرجوا تهمس في ودني: “كل حاجة كانت هتبقى أسهل لو كنتِ سمعتي الكلام.” مرة حتى ضحكت وهي بتقيس خاتمي الدهب في صباعها وهي فاكراني مش حاسة.

لكنهم ماكانوش عارفين إن ياسين قلب اللعبة كلها.

الولد الصغير ده، أول ما سمعهم بيتكلموا عن الفيديو، خد الموبايل وراح لمحامية اسمها نهى،

كانت صاحبة أبويا زمان. حكا لها كل حاجة، ووراها الفيديو. نهى ما استنتش. راحت للشرطة، وطلبت فحص العربية فورًا. تقرير الطب الشرعي أكد إن الفرامل متعمد العبث بيها.

وفي الليلة اللي فوقت فيها، شريف كان جاي يخلص كل حاجة. جاب محامي مزور عشان يبصموني وأنا في الغيبوبة على تنازل رسمي. كان فاكر إني خلاص جسد بلا روح. لكن ربنا كان كاتب النهاية بشكل تاني.

أول ما دخلت نهى ومعاها الشرطة، شريف حاول يمثل الصدمة. قال: “دي مؤامرة!” وريهام بدأت تعيط وتقول إنها مالهاش دعوة. لكن ياسين طلع موبايله الصغير من شنطته وقال: “وعندي فيديو كمان.” وقتها شريف فقد أعصابه فعلًا، وحاول يخطف الموبايل من إيد ابنه. لكن الظابط مسكه قبل ما يقرب له.

أنا وقتها فتحت عيني.

أول حاجة شفتها كانت وش ابني. كان بيعيط وبيضحك في نفس الوقت. حضني كان ضعيف، لكني ضميته كأني برجع للحياة بيه. شريف اتراجع لورا كأنه شاف شبح. أما ريهام، فوقعت على الأرض وهي بتردد: “أنا ماكنتش عايزة كدة… هو اللي أقنعني.”

وفي التحقيقات بدأت الحقيقة تطلع أبشع مما تخيلت. شريف كان غرقان في ديون قمار وصفقات فاشلة، ولما عرف إن كل أملاكي باسمي، قرر يستولى عليها. وريهام… كانت بتحبه من سنين في صمت، ولما قرب منها أوهمها إنه هيتجوزها بعد ما “يتخلص” مني. كانوا مخططين يسفروا ياسين مدرسة داخلية برا مصر عشان يبعدوه عن أي حاجة.

لكن اللي قلب القضية كلها مش بس الفيديو… لا. ياسين كان مسجل صوت بالغلط ليلة الحادثة. تسجيل كامل لشريف وهو بيقول لريهام: “بكرة بعد ما توقع وتموت، كل حاجة هتبقى لينا.” التسجيل ده كان النهاية.

القضية قلبت الرأي العام. الناس كلها كانت بتتكلم عن الطفل اللي أنقذ أمه. الصحافة جريت ورا الحكاية، لكن أنا كنت كل همي أرجع أقف على رجلي. العلاج كان صعب جدًا. شهور كاملة وأنا بتعلم أمشي من جديد. كنت بقع كتير… وأعيط كتير… لكن كل مرة ياسين يمسك إيدي ويقول: “إنتي أقوى واحدة يا ماما.”

بعد سنة كاملة، المحكمة

حكمت على شريف بالسجن المؤبد بتهمة الشروع في القتل والتزوير والتآمر، وريهام أخدت حكم طويل بعد اعترافها بكل حاجة. يوم الحكم، شريف بصلي بنظرة كره وقال: “إنتِ دمرتي حياتي.” ساعتها بصيت له بهدوء وقلت: “أنت اللي دمرت نفسك يوم خنت الأمان.”

خرجت من المحكمة وأنا ماسكة إيد ياسين، والشمس كانت دافية بشكل غريب. حسيت لأول مرة إني اتولدت من جديد. رجعت شركتي، ورجعت بيتي، لكن عمري ما رجعت نفس الإنسانة. بقيت أقوى… وأهدى… وعرفت إن أكتر الناس اللي ممكن يطعنوك هما اللي كنت فاتح لهم قلبك.

وفي ليلة هادية، بعد كل شيء، ياسين دخل حضني وقال لي: “أنا كنت عارف إنك هترجعي.” سألته: “إزاي؟” ابتسم وقال: “عشان الأمهات الأبطال مستحيل يموتوا بسهولة.”

وقتها بس… عيطت. عيطت لأول مرة من قلبي، مش خوف… لكن نجاة.

بعد الحكم على شريف وريهام، الناس كلها كانت فاكرة إن الحكاية خلصت… وإن الشر اتحبس وراح. حتى أنا حاولت أقنع نفسي بكدة. حاولت أرجع أعيش حياة طبيعية، أركز في علاجي، في شغلي، وفي ياسين اللي بقى يخاف يبعد عني حتى دقيقة. لكن الحقيقة إن بعض الكوابيس مبتخلصش بسهولة… وبعض الناس، حتى وهم ورا القضبان، يفضلوا أخطر مما تتخيل.

بعد خروجي من المستشفى بشهرين، بدأت ألاحظ حاجات غريبة. عربية سودا كانت بتمشي ورانا في كل مكان. تليفونات صامتة بالليل. ورسايل فاضية توصلني من أرقام مجهولة. في الأول قلت يمكن صحافة، يمكن فضوليين. لكن ليلة معينة، وأنا قاعدة في أوضة ياسين بساعده في الواجب، لقيت ظرف أبيض متزحلق من تحت باب الشقة.

قلبي اتقبض.

فتحت الظرف بإيد بتترعش… ولقيت صورة ليا وأنا خارجة من مركز العلاج الطبيعي، ومكتوب عليها بخط أحمر: “المرة دي… مش هتفوقي.”

جسمي كله ساق. ياسين لمح الورقة، وشه اصفر فورًا وقال بخوف: “هو بابا رجع؟”

حضنته بسرعة وقلت: “لا يا حبيبي… محدش هيقدر يلمسنا.”

لكن جوايا… كنت مرعوبة.

تاني يوم روحت للمحامية نهى. أول ما شافت الصورة، وشها اتغير. قالت لي بهدوء:

“شريف مش لوحده يا إيزابيل… فيه ناس كانت شغالة معاه.”

تم نسخ الرابط