بعد ما فوقت من الغيبوبة
اكتشفت بعدها إن ديونه ماكنتش مجرد قمار عادي. شريف كان داخل مع ناس خطر جدًا… رجال أعمال بيغسلوا فلوس في شركات وهمية، وكان محتاج أملاكي وشركتي عشان يغطي عملياتهم. ولما فشل، بقى عبء عليهم.
نهى طلبت مني أنقل أنا وياسين مكاننا فورًا. رفضت في الأول… كنت تعبت من الهروب. لكن اللي حصل بعدها خلاني أوافق فورًا.
في ليلة مطر، الكهربا قطعت فجأة في البيت. كنت لوحدي مع ياسين. سمعنا صوت خبط خفيف على الباب… وبعده صوت مفتاح بيتحرك في الكالون.
حد معاه نسخة من المفتاح.
سحبت ياسين بسرعة وستخبينا في أوضة الملابس، وقلبي كان هيقف. الباب الخارجي اتفتح فعلًا… وسمعت خطوات تقيلة جوه الشقة.
راجل بصوت خشن قال: “دوروا كويس… الراجل الكبير عايز الورق اللي معاها.”
ورق؟
فجأة افتكرت حاجة. قبل الحادثة بأيام، شريف كان مخبي ملفات كتير في خزنة مكتب البيت، ولما سألته عنها اتوتر بشكل غريب. يمكن كانوا بيدوروا عليها.
ياسين كان بيرتعش في حضني، لكن الولد ده كان عنده شجاعة مش طبيعية. طلع موبايله بهدوء وبعت لوكيشن البيت لنهى برسالة واحدة: “الحقينا.”
الخطوات
المقبض اتحرك.
وفي اللحظة دي… دوى صوت صفارات الشرطة تحت البيت، والرجالة جريت بسرعة. سمعناهم بيشتموا وهم بيهربوا من باب المطبخ الخلفي.
فضلت ضامة ياسين وأنا بعيط بصمت، وهو رغم خوفه كان بيمسح دموعي ويقول: “إحنا كسبنا تاني يا ماما.”
لكن نهى لما وصلت قالت جملة خوفتني أكتر: “دي مجرد البداية.”
بعدها بأيام، قررنا نفتش مكتب شريف القديم في الشركة. المكان كان مقفول من يوم القبض عليه. دخلته وأنا جسمي كله بيترجف. ريحته كانت لسه هناك… نفس البرفان اللي كنت بحبه زمان وبقيت أكرهه دلوقتي.
فتحنا الأدراج، الملفات، اللاب توب… لحد ما ياسين قال فجأة: “ماما… هو ده إيه؟”
كان فيه درج سري ورا المكتبة.
جواه فلاشة صغيرة سوداء.
نهى شغلتها على اللاب… وكلنا اتجمدنا.
الفلاشة كانت مليانة تسجيلات… حسابات… صور لعقود مزورة… وتحويلات بملايين. والأخطر من ده كله… فيديو لشريف وهو بيتكلم مع راجل ما نعرفوش.
الراجل قال: “لو الست عاشت… كلنا هنقع.”
وشريف رد: “متقلقش… العربية هتخلص كل حاجة.
نهى بصتلي وقالت: “الفلاشة دي ممكن توقع ناس كبار جدًا.”
ومن يومها… حياتنا اتحولت لحرب حقيقية.
بدأت المحكمة تفتح تحقيقات جديدة، وأسماء ضخمة اتورطت. رجال أعمال مشهورين، محاسببن، وحتى ضابط فاسد كان بيساعدهم يخفوا الأدلة. القضية بقت أكبر من مجرد محاولة قتل… بقت شبكة فساد كاملة.
وفي وسط كل ده، ياسين اتغير.
الولد الصغير اللي كان بيحب الكورة والكرتون بقى ساكت أغلب الوقت. كان بيصحى من النوم مفزوع، يجري يتأكد إني موجودة. مرة دخلت عليه لقيته قاعد في الضلمة ماسك مضرب بيسبول صغير.
قلت له بخضة: “إنت بتعمل إيه يا حبيبي؟”
رد بصوت مكسور: “بحرسك.”
الجملة دي كسرت قلبي.
عرفت وقتها إن ابني اتسرق منه طفولته بسبب ناس بلا رحمة.
فبدأت آخده معايا جلسات علاج نفسي، وبدأت أنا كمان أتعالج. لأن الحقيقة إن الجروح اللي مبتبانش أصعب بكتير من جروح الجسم.
ومع الوقت… بدأت أقف على رجلي فعلًا. رجعت الشركة، لكن المرة دي بقيت أنا القائدة الحقيقية. كل موظف فاسد طردته، وكل صفقة مشبوهة لغيتها. الناس كانت مستغربة قوتي، لكنهم ماكانوش يعرفوا إن الست اللي
وفي يوم، بعد سنة تقريبًا، طلب شريف يشوفني في السجن.
الكل رفض… حتى نهى قالتلي: “مالوش لازمة.”
لكن جزء جوايا كان محتاج يشوفه للمرة الأخيرة.
دخلت غرفة الزيارة… وشريف دخل مكبل بالسلاسل. كان شكله متبهدل، شعره أبيض أكتر، وعينه فيها كسر عمره ما عرفه.
بصلي طويل وقال: “إنتِ السبب في كل اللي أنا فيه.”
ضحكت لأول مرة قدامه.
قلت: “لا… طمعك هو السبب.”
سكت شوية، وبعدها قال حاجة جمدت الدم في عروقي: “فاكرة إن كل حاجة خلصت؟ الناس اللي ورايا لسه برا.”
قبل ما أتكلم، الحارس خدّه ومشي.
رجعت البيت يومها وأنا حاسة بخوف قديم بيرجع تاني. لكني بصيت لياسين وهو نايم، وافتكرت كل اللي عدينا بيه.
وفهمت حاجة مهمة…
إن الشجاعة مش إنك متخافش.
الشجاعة إنك تخاف… وبرضه تكمل.
وفي آخر ليلة من السنة، كنت واقفة أنا وياسين في البلكونة بنتفرج على الألعاب النارية. فجأة قال لي: “ماما؟”
قلت: “نعم يا قلب ماما؟”
قال وهو مبتسم: “السنة دي أول سنة أحس إننا أحرار.”
حضنته بقوة، وبصيت للسما.
يمكن الدنيا خدت مني راحتي… وأماني…
لكنها سابتلي أهم حاجة…
ابني.
والحقيقة.
والقوة اللي اتولدت جوايا من تحت الركام.