كاميرا خفيه كشفت المستور

لمحة نيوز

 لكن بعدها بدأت تبعت رسائل قصيرة لعبد الحميد، بتقوله فيها إنه ظلمها وإنه استسلم لكلام مفيش دليل عليه، وإن أمه كانت بتبالغ بسبب المرض، وإن الفيديو اللي شافه ممكن يكون متفهم غلط أو مقطوع، لكن عبد الحميد كان خلاص جواه حاجة اتقفلت، مش غضب، لكن يقين تقيل زي حجر، في نفس الوقت بنت من بناته بدأت تزور تليفون أمه عندها، ولاحظت حاجة غريبة، إن الحاجة فوزية رغم إنها بعيد عن ميرفت بقالها أيام، لسه بتصحى مفزوعة بالليل وبتقول نفس الجملة: “متقربيش مني أنا مش هأقول حاجة”، الجملة دي خلت الشك يرجع يكبر تاني، لأن مفيش حد كان فاهم هي خايفة من مين دلوقتي وهي بعيدة، ومع الوقت بدأ يظهر إن الموضوع أعمق من مجرد لحظة كاميرا، كان فيه تراكم سنين من الضغط النفسي والخوف والارتباك، وفي يوم عبد الحميد قرر يرجع يشوف تسجيلات الكاميرا كلها مش بس الليلة دي، قعد بالساعات يعيد ويشوف لقطات صغيرة ما كانش مركز فيها الأول، زي طريقة دخول ميرفت للأوضة، نظرة عينها لما تكون فاكرة إنها لوحدها، حركة إيدها وهي بتقفل الباب بهدوء زيادة عن اللزوم، تفاصيل صغيرة لكن لما تتجمع تعمل صورة مرعبة مش كاملة لكن كفاية تخلي القلب يتقبض، وفي نفس الوقت كانت ميرفت بدأت تحكي لناس من طرفها إنها هي اللي كانت بتتحمل كل الحمل في البيت، وإن العجوز كانت صعبة وممكن تكون مؤذية أحيانًا بسبب الزهايمر، وإنها كانت بتحاول تحافظ على البيت من الانهيار، الموضوع بقى زي حرب هادية بين روايتين، رواية بتطلع من

الكاميرا ورواية بتطلع من الكلام، لكن اللي كان بيكسر عبد الحميد أكتر مش الخلاف، بل فكرة إنه عاش 40 سنة مع حد ومكنش فاهمه، وفي ليلة من الليالي قرر يروح لبيت أمه الجديد، دخل عليها لقاها قاعدة ساكتة بتبص للسقف، أول ما شافته دمعت وبقت تتمسك في إيده كأنه طوق نجاة، ساعتها سألها بهدوء: “مين كان بيخوفك يا أمي؟”، وسكتت لحظة طويلة جدًا، أطول من أي إجابة، وبعدين قالت بصوت مكسور: “مش عايزة أفتكر”، الجملة دي كانت كفاية تقفل أي نقاش، لأنه فهم إن في جزء من القصة مش هيتقال بالكلام، ومع الأيام بدأت الحاجة فوزية تهدى شوية بعيد عن البيت القديم، صحتها اتحسنت نسبيًا، لكن الذاكرة كانت لسه فيها ظلال خوف مش واضحة، عبد الحميد قرر إنه مايكملش في طريق الصدام المباشر، وبدأ يركز على حماية أمه وتهدئة حياتها، وفي نفس الوقت الموضوع بينه وبين ميرفت ماكنش فيه رجوع، الانفصال اتنفذ بهدوء تقيل، مفيهوش صريخ ولا فضايح علنية، لكن فيه صمت طويل زي حد اتكسر من جواه ومش عارف يتصلح، ميرفت خرجت من البيت وهي شايلة غضبها وندمها وكلامها اللي محدش عارف منه إيه الحقيقي وإيه الدفاع، والناس في الحتة فضلوا شهور بيتكلموا همس، كل واحد عنده رواية مختلفة، لكن الحقيقة اللي فضلت ثابتة عند عبد الحميد حاجة واحدة، إن البيت اللي كان فاكره أمان طول عمره اتكشف فيه وجه تاني، وإن الكاميرا اللي حطها عشان يطمن على أمه ماكنتش بس عين، كانت حكم نهائي على حياة كاملة، وبعد فترة طويلة عبد الحميد بقى يقعد
جنب أمه في هدوء، مش بيتكلم كتير، بس كل مرة تبص له كأنها بتدور على الأمان اللي اتسحب منها سنين ورجع متأخر، وهو كان عارف إن في حاجات لما تتكسر مش بتترمم بسهولة، لكن على الأقل اتمنع إنها تكمل في الظلام.

في آخر الحكاية، ما بقاش فيه صوت عالي ولا خناقات ولا حتى دموع زي الأول، بقى فيه هدوء غريب تقيل، هدوء مش معناه راحة، لكن معناه إن كل حاجة اتحسمت جوّه القلب من غير ما حد يعلن، عبد الحميد قعد في نفس البيت القديم شوية بعد ما الدنيا اتقلبت، بس كان حاسس إن الجدران نفسها بقت شاهدة عليه، كل حيطة في البيت شايلة ذكرى، ضحكة قديمة، صدى كلام، خطوة حد كان ماشي في الممر وبقى مش موجود، لكن أكتر حاجة كانت بتوجعه مش البيت، كانت فكرة إنه عاش سنين طويلة وهو فاكر إنه فاهم كل حاجة، وفجأة اكتشف إن الفهم ممكن يتبني على ظلال مش على حقائق كاملة، وإن أقرب الناس ممكن يبقوا لغز كبير من غير ما تقصد أو من غير ما تعرف

الحاجة فوزية بقت في مكان أهدى، صحتها اتحسنت شوية، لكن عينيها فضلت فيها حاجة من الحذر، كأن الخوف لما يدخل قلب كبير في السن ما بيطلعش بسهولة، كانت تقعد تبص لعبد الحميد ساعات من غير كلام، وكأنها بتتأكد إنه حقيقي وإن الأمان رجع ولو جزئيًا، أوقات كانت تمسك إيده فجأة من غير سبب وتفضل ساكتة، وهو كان يفهم إن دي مش كلمات، دي بقايا إحساس كان شبه ضاع ورجع يتلم تاني واحدة واحدة، لكن مش زي الأول، لأن اللي اتكسر جواها ما بيرجعش زي ما كان، بيرجع بشكل أهدى وأضعف

ميرفت

اختفت من المشهد العلني، ما بقاش فيه حضور واضح ليها في الحي، بس ظل اسمها يتقال همس بين الحين والتاني، مرة بقالوا إنها سافرت عند أهلها، ومرة بقالوا إنها بتحاول تبدأ حياة جديدة بعيد، ومرة تالتة بقالوا إنها لسه شايلة وجعها ومش قادرة تشرح نفسها، لكن عبد الحميد ما بقاش بيدوّر على رواية، لأنه فهم إن بعض القصص لما بتكمل في عقول الناس بتبقى أخطر من حقيقتها، وإن الصمت ساعات بيكون أرحم من أي تفسير

وفي ليلة هادية جدًا، كان قاعد جنب أمه بعد ما نامت، وبيسمع صوت نفسها الهادي، بص للحيطة اللي كان فيها زمان الكاميرا، اللي كانت شاهد على لحظة كسرت سنين، وابتسم ابتسامة حزينة، مش ابتسامة ندم كامل ولا راحة كاملة، لكن ابتسامة حد اتعلم درس تقيل في آخر العمر، إن البيوت مش دايمًا بتنهار فجأة، أوقات بتنهار من جوه وهي لسه واقفة من بره، وإن أخطر حاجة في الدنيا مش الخيانة بس، لكن سوء الفهم لما يكبر لحد ما يبقى حقيقة في دماغ اللي شايف

ساعتها بس عبد الحميد فهم إن العدالة مش دايمًا شكلها حكم أو عقاب، أوقات بتكون شكلها إنك تحاول تحمي اللي باقي من الناس اللي بتحبهم، حتى لو قلبك لسه موجوع، وحتى لو الإجابات مش كاملة، وحتى لو في جزء من الحقيقة هيفضل دايمًا ناقص، لكنه في النهاية قرر يعيش باللي اتكشف قدامه، مش باللي كان يتمنى يعرفه، وقعد ماسك إيد أمه في هدوء طويل، كأنهم بيبتدوا حياة جديدة مش مبنية على اليقين، لكن على النجاة، وعلى محاولة متأخرة جدًا إنها تبقى أرحم من

اللي فات

تم نسخ الرابط