حطوا بنتي في العسل
أهل جوزي ربطوا بنتي اللي عندها أربع سنين في شجرة ودهّنوا جسمها بالعسل والدبابير كانت بتلمّ عليها، وجوزي واقف بيتفرّج وبيبتسم
كانت شمس العصر يومها دافية وهادية، من النوع اللي يخلي الجنينة تلمع كأنها صورة في إعلان. اليوم اللي يخليك تصدّق إنك بأمان، وإن حياتك عادية، وإن أكبر مشكلة ممكن تقلقك هي إذا كانت سلطة البطاطس باظت وهي برّه التلاجة.
كان غدا يوم الأحد في بيت أهل جوزي، حاجة بنعملها مرة كل شهر، لأن جوزي إيفان كان دايمًا يقول إن لازم العيلة تفضل قريبة من بعض، ولأني طول جوازنا كنت بحاول أبقى الزوجة اللي محدش يقدر يقول عنها إنها صعبة أو بتعمل مشاكل.
ريحة البيت كانت خليط بين الفراخ المشوية وريحة منظف الليمون، نفس الريحة المعتادة. حماتي كارولين كانت مهووسة بالليمون. كانت تقول إنه بيخلي كل حاجة تحس إنها نضيفة ومنعشة.
بس كلمة منعشة عندها كان معناها الحقيقي كل حاجة تحت السيطرة.
وصلنا حوالي الضهر. كارولين استقبلت إيفان بابتسامة وبوسة على خده، كأنه لسه ولد صغير راجع من الجامعة. أما أنا، فاستقبلتني بنظرتها المعتادة السريعة من فوق لتحت شعري، هدومي، جزمتي كأنها بتفتش على عيب.
وبعدين نزلت لمستوى بنتي وقالت بصوتها السكر المصطنع
هاي يا مايسي.
مع إنها نفس الست اللي الشهر اللي فات كانت بتشتكي إن مايسي دلّوعة ومتعلقة بأمها زيادة.
مايسي كان عندها أربع سنين، صغيرة لسه وخدودها فيها نعومة الأطفال. مسكت إيد كارولين ببساطة، لأنها لسه ما تعرفش تاريخها معايا، ما تعرفش أنا دفعت قد إيه عشان أحافظ على السلام ده.
أخت جوزي كايلي كانت قاعدة في الجنينة من بدري، متمددة على الكرسي بالنضارة الشمس وكأننا جايين نزعجها. رفعت العلبة اللي في إيدها لما شافتنا وقالت ببرود
أهلًا.
إيفان باسني على جبيني وهمس هيعدّي على خير.
زي كل مرة يحس فيها بتوتري.
بس عمره ما سألني متوترة ليه؟ لأن موهبة إيفان الحقيقية كانت إنه يتصرف كأن المشاكل مش موجودة لحد ما تنفجر في وش الكل.
الغدا عدى شبه هادي.
كارولين قدمت الفراخ والبطاطس والفاصوليا في الأطباق الغالية اللي تخاف تحط عليها الشوكة بعنف. كانت بتحكي عن الجيران وحمام السباحة الجديد، وتشتكي من الأسعار، وتسأل إيفان عن شغله وكأنه أذكى راجل في الدنيا.
ولما سألتني عن شغلي، كان واضح إنها بتؤدي واجب مش أكتر.
قالت بابتسامتها الباردة وإيه أخبار شغلك الصغير بتاع التسويق يا راشيل؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة كويس الحمد لله.
لأني لو صححتلها وقلت إنه شغل كامل بيدفع نص أقساط البيت، كانت هتبدأ خناقة، والخناقة دي في الآخر إيفان هيعتبرها غلطي أنا.
مايسي أكلت لقمتين من الفراخ وقالت إنها ناشفة.
كارولين تنهدت بصوت عالي وقالت عشان كده الأطفال ماينفعش يبقى ليهم
كنت هارد، بس إيفان سبقني وقال بهدوء يا ماما دي عندها أربع سنين بس.
كارولين لوّحت بإيدها كأنه قال حاجة لطيفة مالهاش قيمة. وأربع سنين كفاية جدًا إنها تتعلم ماتحكمش البيت.
كايلي ضحكت الضحكة الحادة بتاعتها. هي أصلًا اللي بتحكم البيت.
مايسي بصّتلي بسرعة، وأنا مسكت إيدها تحت الترابيزة وابتسمتلها نفس الوعد الصامت اللي بوعدهولها من يوم ما اتولدت أنا معاكي.
بعد الغدا، أنا وكارولين دخلنا المطبخ نشيل الأطباق، بينما إيفان وكايلي خرجوا الجنينة. إيفان قال إنه عايز ياخد نفس، وده معناه الحقيقي إنه بيهرب من أي توتر ويحاول يقنع نفسه إنه مش مسؤوليته.
مايسي جريت وراه، لأنها كانت بتحب الجنينة هناك. كان فيها مرجيحة وشجرة بلوط كبيرة ومساحة واسعة أكبر بكتير من بيتنا الصغير.
كنت بغسل الصحون، وكارولين بتمسح الرخامة كأنها بتلمّع العالم كله.
وفجأة قالت بنبرة عادية جدًا بنتك متعلقة بيكي زيادة.
ما رفعتش عيني من الطبق. دي عندها أربع سنين.
شفايفها اتشدت بضيق. وأربع سنين سن مناسب إنها تتعلم الاستقلال.
قلت بهدوء وأنا بحاول أمسك أعصابي هي مستقلة فعلًا.
سكتت ثواني، وبعدين قالت إيفان كان بينام لوحده من وهو عنده سنتين.
ضحكت ضحكة صغيرة باردة. يمكن عشان كده طلع راجل.
الكلمة دي نزلت في صدري زي حجر.
بس قبل ما أرد سمعنا صوت ضحك عالي جاي من الجنينة.
وبعدين صرخة.
صرخة طفلة صغيرة.
قلبي وقع.
جريت ناحية الباب، والطبق وقع من إيدي واتكسر على الأرض، بس كارولين ما اتحركتش بسرعة بالعكس، مشيت ورايا بهدوء غريب.
أول ما خرجت للجنينة جسمي كله تجمّد.
مايسي كانت مربوطة في شجرة البلوط بحبل رفيع حوالين وسطها وإيديها الصغيرة، والعسل متدهون على رجليها ودراعاتها ووشها ودبابير صفراء كانت بتلف حواليها بكثافة.
بنتي كانت بتصرخ وهي بتحاول تهز جسمها الصغير.
مامااااا!
الصوت لحد النهارده بيصحيني من النوم.
جريت ناحيتها بجنون، بس كايلي وقفت قدامي وهي بتضحك اهدي! دي مجرد لعبة!
لعبة؟
بنتي كان فيه دبور واقف على رقبتها.
صرخت إنتوا مجانين؟!
وبصيت لإيفان
كان واقف بعيد شوية، حاطط إيده في جيبه وبيبتسم.
مش ابتسامة فرح.
ابتسامة توتر ابتسامة واحد قرر مايتدخلش عشان مايزعلش أمه.
وده كان أبشع.
دفعت كايلي بكل قوتي وجريت لمايسي. الدبابير بدأت تتحرك بعنف حواليها. واحدة قرصتني في دراعي، والتانية قربت من وشها.
فضلت أفك الحبل بإيديا المرتعشة وأنا بقول أنا هنا أنا هنا يا حبيبتي
مايسي كانت بتترعش وبتعيط لدرجة إنها مش قادرة تاخد نفسها.
وفجأة صرخت صرخة حادة جدًا.
دبور قرصها تحت عينها.
شلتها بسرعة وجريت ناحية العربية، وإيفان جري ورايا أخيرًا وهو بيقول راشيل استني! الموضوع مش مستاهل الهلع ده!
لفّيتله وأنا حرفيًا