سر زوجي

لمحة نيوز

بعد ما دانيال دخل البيت، الجو كله اتشد كأن البيت نفسه حابس نفسه.
لورديس رجعت لبس قناع الهدوء بسرعة، ومسكت الإبرة تكمل التطريز كأنها ما قالتش أي حاجة من شوية.
أما أنا فكنت واقفة مكاني، رجلي تقيلة وقلبي بيدق بعنف.
دانيال دخل الصالون، أول ما شافني وشاف أمه، فهم إن في حاجة حصلت.
في إيه؟
لورديس رفعت عينيها له بابتسامة هادية وقالت مراتك عندها شوية أسئلة.
بصلي دانيال، ووشه شحب أكتر.
فاليري طلعِتِ عند باتريشيا؟
أيوه.
سكت شوية، وبعدين قال كنتي بتحكي عني؟
ضحكت بمرارة. أحكي عن إيه بالظبط يا دانيال؟ عن إنك بتتعامل معايا كأني غريبة؟ ولا عن إن أمك موجودة بينا في كل نفس؟
لورديس قامت ببطء.
أنا هسيبكم تتكلموا.
لكن قبل ما تمشي، حطت إيدها على كتف دانيال. اللمسة نفسها اللي شفتها بالليل.
ودانيال نزل عينه للأرض فورًا.
في اللحظة دي فهمت إن المشكلة أعمق بكتير من مجرد أم متسلطة.
المشكلة إن دانيال نفسه كان غرقان جوه الحاجة دي لدرجة إنه مش عارف يطلع.
لما طلعت لورديس فوق، ساد صمت طويل.
قلت أخيرًا هي قصدها إيه بكلامها؟
دانيال فضل ساكت.
رد عليا.
إيده بدأت ترتعش.
أمي كانت دايمًا خايفة تسيبني.
كل الأمهات بتخاف على ولادها.
لا مش كده.
رفع عينه ليا لأول مرة، وكان فيها تعب سنين كاملة.
بعد موت أبويا بقيت أنا كل حياتها. كانت تمنعني ألعب مع الأطفال، وتزعل لو صاحبت حد، ولو قربت من أي بنت في المدرسة كانت تمرض.
قعد على

الكنبة وكأنه شايل جبل فوق ضهره.
كانت تخليني أحس إني مسؤول عن سعادتها وعن حزنها وعن حياتها كلها.
بدأت أفهم الصورة بالتدريج.
ولد صغير اتربى وهو مقتنع إن أي خطوة بعيد عن أمه معناها إنه بيخونها.
وده كبر معاه سنة ورا سنة.
ولما اتجوزنا؟ سألت بهدوء.
قفل عينه بألم. كانت بتقولي إنكِ هتاخديني منها وإن الزوجات بيغيروا الرجال وإن محدش هيحبني زيها.
قلبي وجعني عليه وفي نفس الوقت اتكسرت جوايا حاجة كبيرة.
لأن كل لحظة برد، وكل تجاهل، وكل ليلة نمت فيها وأنا حاسة إني مش مرغوب فيا ماكنتش بسببي أنا.
كانت نتيجة خوف متزرع جواه من طفولته.
ليه ما قولتليش؟
ضحك ضحكة حزينة. لأني طول عمري فاكر إن ده الطبيعي.
في الليلة دي، ولأول مرة من سنين، دانيال حكى.
حكى عن طفولته.
عن شعوره بالذنب كل ما يحاول يعيش لنفسه.
عن أمه اللي كانت تبكي لو خرج مع أصحابه.
عن نظراتها اللي كانت تخليه يرجع وهو حاسس إنه ارتكب جريمة.
وحكى عن جوازنا
إزاي كان بيحبني فعلًا، لكنه كل ما يقرب مني يسمع صوت أمه جواه.
كنت بحس إني بخذلك.
سألته وأنا؟
سكت.
وده كان أقسى رد.
في الأيام اللي بعدها، البيت بقى ساحة حرب هادية.
لورديس بدأت تتعامل معايا ببرود واضح.
كل كلمة منها فيها سم.
كل حركة محسوبة.
ولو دانيال قعد معايا شوية، تناديه فورًا.
ولو خرجنا، تتصل عشر مرات.
لكن لأول مرة دانيال ماكانش بيروح فورًا.
كان بيتردد.
وده كان جننها.
وفي يوم، سمعتها بتصرخ عليه
من أوضتها
بعد كل اللي عملته عشانك؟! هتسيبني عشانها؟!
وهو رد بصوت متكسر أنا مش بسيبك يا أمي أنا بس بحاول أعيش.
الجملة دي كانت بداية النهاية.
بعدها بأسبوع، دانيال طلب مني نقعد.
كان شكله مرهق، لكن لأول مرة عينيه ثابتة.
قال أنا محتاج أطلع من البيت ده.
بصيتله وأنا مش مصدقة.
بجد؟
هز راسه. لو فضلت هنا عمري ما هبقى إنسان طبيعي.
انتقلنا لشقة صغيرة في مدينة تانية.
في الأول، لورديس كانت تتصل باستمرار.
تبكي.
تتوسل.
تمرض فجأة.
مرة تقول إنها وقعت. مرة تقول إنها مش قادرة تتنفس.
لكن دانيال بدأ يتعلم يحط حدود.
وكان بيتعذب وهو بيعمل ده.
في ليالي كتير، كنت ألاقيه قاعد في الضلمة، حاسس بالذنب.
لكن بالتدريج بدأ يتغير.
بدأ يضحك تاني.
ينام من غير كوابيس.
يمسك إيدي من غير ما جسمه يتشنج.
وفي يوم، بعد شهور طويلة، صحيت لقيته هو اللي الأول.
وقتها بس عيطت.
لأن اللمسة البسيطة دي كانت بالنسبالي حياة كاملة.
أما لورديس
فالوحدة اللي كانت بتستخدمها زمان كسلاح بقت واقعها الحقيقي.
الناس في الكنيسة فضلوا يشوفوها السيدة المثالية.
الست الهادية المحترمة.
محدش كان يعرف إنها بنت سجن حوالين ابنها من الخوف والاحتياج والسيطرة.
ودانيال احتاج سنين علاج نفسي عشان يفهم إن الحب مش امتلاك.
وإني أنا كمان احتجت وقت طويل عشان أبطل ألوم نفسي على جرح ماكنتش السبب فيه أصلًا.
بعد أربع سنين، وقفنا أنا ودانيال على بلكونة شقتنا الجديدة.
المدينة
كانت هادية، والهوا دافي.
بصلي وقال إنتِ أنقذتيني.
ابتسمت بحزن خفيف وقلت لا يا دانيال إنت اللي أخيرًا قررت تنقذ نفسك.
ولأول مرة من يوم جوازنا
حسيت إن البيت اللي أنا فيه مافيهوش أشباح.
بعد انتقالنا بست شهور، كنت فاكرة إن أسوأ مرحلة عدّت.
لكن الحقيقة إن بعض البيوت حتى لما تسيبها بتفضل عايشة جواك.
ودانيال كان لسه شايل البيت القديم في صدره.
صحيت ليلة على صوت تكسير في المطبخ.
قمت مفزوعة، لقيته واقف وسط الضلمة، أنفاسه سريعة، وكوباية مكسورة تحت رجليه.
أول ما شافني قال بسرعة أنا آسف آسف صحيت مفزوع.
قربت منه بهدوء. حلم؟
هز راسه.
كان جسمه كله بيترعش.
ومن غير ما أسأله، عرفته. لورديس.
كل حاجة كانت ترجع لها في الآخر.
قعد على الأرض وسند ضهره للدولاب، ودفن وشه بين إيديه.
كنت سامع صوتها.
قلبي وجعني.
بتقول إيه؟
رفع عينه ببطء إنها لوحدها وإن أنا السبب.
قعدت جنبه على الأرض الباردة.
في اللحظة دي فهمت إن التحرر من السيطرة مش بيحصل بمجرد إنك تمشي. في قيود بتفضل مربوطة جوا الروح.
وبعض الناس بيعيشوا عمر كامل وهم فاكرين إن الحب لازم يوجع.
في الأيام اللي بعدها، دانيال بدأ يروح جلسات علاج نفسي.
أول مرة رجع بعدها، كان ساكت طول الطريق.
ولما وصلنا البيت، وقف في البلكونة فترة طويلة يبص للشارع.
سألته تحب تحكي؟
ضحك ضحكة خفيفة مالهاش روح. الدكتور سألني سؤال بسيط جدًا بس معرفتش أجاوب.
إيه هو؟
لف ناحيتي ببطء وقال قالي
إنت آخر مرة حسيت إنك حر إمتى؟
سكت.
والسكوت وقتها كان إجابة.
لأن دانيال تقريبًا عمره ما عرف الحرية أصلًا.
بدأت ألاحظ حاجات
تم نسخ الرابط