سر زوجي

لمحة نيوز

صغيرة.
لو اشترى حاجة لنفسه، يحس بالذنب.
لو نام مرتاح، يحس إنه أناني.
لو ضحك بصوت عالي، يعتذر بعدها كأنه عمل مصيبة.
وكأن السعادة نفسها ممنوعة عليه.
أما لورديس فكانت لسه بتحاول تدخل حياتنا بأي طريقة.
تبعت خطابات.
رسائل طويلة كلها لوم وبكاء.
مرة تبعت صورة قديمة لدانيال وهو طفل، وكاتبة تحتها كنت لسه بتنام في حضني ومش محتاج حد غيري.
ومرة تبعت رسالة تقول واضح إن مراتك أخدتك مني زي ما كل الستات بيعملوا.
كل رسالة كانت ترجع دانيال خطوات لورا.
وفي ليلة شتوية، لقيته قاعد على الكنبة ماسك واحدة من الرسائل.
وشه كان شاحب بطريقة خوفتني.
هي تعبانة.
قعدت قدامه بهدوء. إنت اتصلت بيها؟
هز راسه. الجارة قالت إنها بقت لوحدها طول الوقت ومابتخرجش.
كان الصراع باين في عينيه.
جزء منه لسه ابن صغير خايف يسيب أمه. وجزء تاني أخيرًا بدأ يتعلم يبقى راجل مستقل.
عايز تروح لها؟ سألته.
بصلي بسرعة وكأنه مستني غضب.
لكن قلت بهدوء أنا مش ضد إنك تساعدها
يا دانيال أنا ضد إنها تبتلعك من جديد.
الكلام ده فضل معاه يومين كاملين.
وفي التالت، قال تعالي معايا.
رجعنا البيت القديم لأول مرة من يوم ما مشينا.
أول ما العربية وقفت قدام البيت، حسيت نفس الإحساس القديم.
الأعمدة البيضا.
الشبابيك التقيلة.
السكون المرعب.
حتى الهوا هناك كان تقيل.
لورديس فتحت الباب ببطء.
أول ما شافت دانيال، عينيها لمعت بشكل غريب.
لكن لما شافتني واقفة جنبه اللمعة طفت فورًا.
أهلاً.
صوتها كان ناشف.
دخلنا.
ريحة اللافندر القديمة لسه مالية المكان.
بس البيت نفسه كان متغير.
تراب أكتر.
هدوء أكتر.
ووحدة خانقة.
لورديس بقت أضعف.
وشها شاحب، وإيديها بترتعش وهي بتحط الشاي.
لكن عينيها لسه نفس السيطرة القديمة.
قعدنا دقائق طويلة في صمت.
وبعدين فجأة قالت إنت بقيت بعيد أوي يا دانيال.
دانيال أخد نفس طويل. أنا اتجوزت يا أمي.
وأنا أمك.
الجملة نزلت تقيلة على الأوضة كلها.
لكن المرة دي، دانيال ما نزلش عينه.
قال بهدوء وده
عمره ما كان المفروض يمنعني أعيش.
لورديس اتجمدت.
واضح إن دي أول مرة في حياته يرد عليها بالشكل ده.
بدأت دموعها تنزل.
بعد كل اللي ضحيت بيه؟
كان زمانه هيقع فورًا تحت الإحساس بالذنب.
أنا شفت ده قبل كده مية مرة.
لكن المرة دي فضل ثابت.
تضحياتك ماكانتش لازم تخليني مديون لك بعمري كله.
السكوت بعدها كان مرعب.
لورديس بصتلي أنا.
نظرة مليانة كره بارد.
إنتِ غيرتيه.
رديت بهدوء لا هو بس بدأ يسمع نفسه.
وشها اتشد بغضب للحظة، وبعدين قالت جملة عمري ما هنساها
إنتِ فاكرة إنك كسبتي؟ إنتِ لسه ماتعرفيش حجم الخراب اللي جواه.
دانيال وقف فجأة.
كفاية.
صوته هزني.
لأن دي أول مرة أسمعه قوي بالشكل ده.
أنا تعبت.
لورديس بصتله بصدمة.
إنت بترفع صوتك عليا؟
أنا عمري ما كان عندي صوت أصلًا.
الجملة دي كسرت حاجة في الجو حوالينا.
ولأول مرة شوفت دانيال مش كولد خائف.
شوفت راجل بيحاول يطلع من تحت جبل عاش عمره شايله.
لورديس بدأت تعيط.
عيّاط حقيقي، مر، موجوع.

وفجأة حسيت بحاجة عمري ما توقعتها.
الشفقة.
لأن الست دي، رغم كل الأذى اللي سببته، كانت سجينة هي كمان.
خوفها من الوحدة أكلها.
حبها المرضي دمّر ابنها ودمّرها هي كمان.
لكن الشفقة ما تمحيش الأذى.
ودانيال فهم ده أخيرًا.
قبل ما نمشي، وقف عند الباب وقال لها أنا هفضل أسأل عليكي وهساعدك لو احتجتي حاجة.
عينيها لمعت بأمل.
لكن بعدها قال بس أنا مش هارجع أعيش هنا تاني.
والأمل ده انكسر فورًا.
رجعنا شقتنا متأخر.
الطريق كله كان ساكت.
ولما دخلنا البيت، دانيال وقف يبص حوالينه.
الحيطة البسيطة.
الإضاءة الدافية.
ريحة القهوة اللي كنت سايباها.
كل حاجة عادية جدًا.
بس بالنسبة له كانت أول مرة يحس إن المكان آمن.
وفجأة حضني بقوة.
لدرجة حسيت أنفاسه بتترج.
وهمس بصوت مبحوح أنا كنت تايه يا فاليري.
مسحت على ضهره بهدوء.
عارفة.
وخايف.
عارفة.
ومش عارف أكون طبيعي.
بعدت عنه شوية وبصيت في عينه.
محدش بيتولد عارف ينجو يا دانيال الناس بتتعلم.
قعدنا
في الصالة لحد الفجر.
نتكلم.
نسكت.
نضحك شوية.
ونعيط شوية.
ولأول مرة من سنين طويلة
ماكانش في حد تالت قاعد بينا.

تم نسخ الرابط