طردوني وانا حامل

لمحة نيوز

ليلة المطر دي ماكنتش مجرد نهاية جواز… كانت الليلة اللي اتدفنت فيها كل الأكاذيب اللي دانيال بنا بيها حياته فوق ضهري أنا. وأنا مرمية قدام القصر، بطني بتوجعني والبرد بيقطع عظمي، كنت شايفة الرعب وهو بيزحف على وشه لأول مرة من يوم عرفته. أبويا وقف تحت المطر من غير ما يهتم بنقطة مية واحدة نزلت على معطفه، وعينيه كانت ثابتة على دانيال بطريقة خلت حتى الضباط واقفين في صمت. دانيال حاول يتكلم، حاول يرجع ابتسامته المعتادة، بس شفايفه كانت بترتعش. قال بصوت متقطع: “مستر هاريسون… أكيد فيه سوء تفاهم.” أبويا نزل السلم بهدوء، وبصلي الأول قبل أي كلمة، ولما شاف الطين على هدومي والدم على إيدي، عضلة فكه شدت بقوة. بعدها فقط بص لدانيال وقال: “السوء الوحيد هنا… إني سيبت بنتي وسط الحيوانات لمدة تلات سنين.” فانيسا رجعت خطوتين لورا، وشها بقى شاحب، لكن لسه بتحاول تتماسك. قالت وهي رافعة دقنها: “إيفلين مضت التنازل بنفسها.” المحامي اللي واقف ورا أبويا فتح شنطة جلد سوداء، وطلع ملف سميك. قال بهدوء: “مدام إيفلين مضت بالفعل… لكن مش على نقل الملكية لدانيال كروس. حضرتك كنت بتمضي عقود اندماج مؤقتة تضمن تحويل كامل الأسهم لشركة هاريسون جروب في حالة وجود أي تهديد قانوني أو ضرر جسدي ضد الوريثة الشرعية.” دانيال بصله بعدم فهم. المحامي كمل: “وبما إن عندنا تسجيلات صوتية، ورسائل، وشهادة حراس الأمن، وكاميرات تثبت طرد سيدة حامل في الشهر التاسع بعنف من منزلها… فالعقد اتفعّل تلقائيًا من ساعة.” ساعتها حسيت إن دانيال نسي يتنفس. فانيسا همست: “إيه الكلام ده؟” والمحامي رد بدون ما يبصلها: “الكلام ده معناه إن الشركة اللي كنتوا بتحتفلوا بيها من ساعتين… بقت رسميًا تحت إدارة مجموعة هاريسون.” دانيال فجأة انفجر بعصبية: “لا! مستحيل! أنا المدير التنفيذي!” أبويا قرب منه خطوة واحدة فقط، لكن الخطوة دي كانت كفاية تخلي دانيال يتراجع. قال له: “كنت.” وفي اللحظة دي خرج راجل من العربية التانية… رئيس مجلس الإدارة بنفسه. الراجل بص لدانيال باشمئزاز وقال: “مجلس الإدارة عقد اجتماع طارئ من ساعة بعد ما وصلتنا الأدلة الخاصة باختلاس الأموال والعلاقة اللي استخدمتها لابتزاز موظفات الشركة.” فانيسا شهقت، ودانيال لف بسرعة

ناحيتها. واضح إنها ماكنتش تعرف كل حاجة. الشرطي قرب وقال: “السيد دانيال كروس، عندنا أمر بالتحفظ على أصولك والتحقيق معاك بتهم الاحتيال المالي والعنف الأسري.” دانيال بدأ يصرخ فجأة، فقد أعصابه تمامًا، وجرى ناحية أبويا وهو بيقول: “هي كانت ولا حاجة قبل ما تعرفني!” ساعتها أنا وقفت بالعافية رغم الألم، وبصيتله مباشرة لأول مرة من غير خوف. قلت: “أنا كنت بخليك تحس إنك حاجة.” الصمت اللي حصل بعدها كان أقسى من صوت الرعد نفسه. دانيال بصلي وكأنه لأول مرة يشوفني بجد. يمكن لأنه لأول مرة فقد السيطرة. وفجأة وجع حاد ضرب بطني لدرجة إني صرخت غصب عني. الدكتور اللي كان مع الفريق جري ناحيتي فورًا، وقال إن الولادة بدأت. الدنيا اتحولت لحركة سريعة حواليّا، ضباط بيتكلموا، محامين بيتحركوا، أبويا ماسك إيدي لأول مرة من سنين بعصبية واضحة، وأنا بحاول أتنفس وسط المطر والوجع. آخر حاجة شفتها قبل ما يركبوني العربية الطبية كانت دانيال واقف والمطر نازل فوقه، مكبل، مذهول، ووشه خالي تمامًا من الغرور اللي كان عايش بيه. في المستشفى، استمرت الولادة ساعات طويلة. الألم كان قاسي بشكل خلاني أحس إن جسمي بيتكسر قطعة قطعة، لكن طول الوقت كنت فاكرة لحظة وقوفي قدامه وأنا ضعيفة وهو فاكر إنه انتصر. وده كان اللي مخليني أقاوم. وقبل شروق الشمس بدقائق، سمعت أول صوت صريخ لبنتي. وقتها فقط انهرت في عياط صامت وأنا شايفاها تتحط جنبي. صغيرة جدًا… لكن قوية. الممرضة سألتني عن اسمها، فبصيت من الشباك لنور النهار اللي بدأ يطلع بعد العاصفة، وقلت: “هوب… لأن دي أول مرة أحس إن فيه أمل حقيقي.” أبويا دخل الأوضة بعدها بربع ساعة. الراجل اللي كان يهز شركات كاملة بمجرد توقيع، كانت عينيه حمرا وهو بيبص لحفيدته. قعد جنبي وقال بصوت منخفض: “آسف إني اتأخرت.” وأنا لأول مرة من سنين صدقته. الأيام اللي بعد كده قلبت حياة دانيال لجحيم. الأخبار انتشرت بسرعة. الصحافة الاقتصادية اتكلمت عن سقوط أصغر مدير تنفيذي صاعد في نيويورك بعد فضيحة اختلاس وعلاقات مشبوهة. الموظفات اللي كان بيهددهم بدأوا يتكلموا. حساباته البنكية اتجمدت. شركاؤه انسحبوا. حتى أمه اللي كانت دايمًا بتقول إني السبب في كل مشاكله، خرجت في المحكمة تبكي وتقول إنها ماكنتش
تعرف حقيقته. أما فانيسا… فاختفت تقريبًا بعد أسبوع واحد فقط لما عرفت إنه مفلس وتحت التحقيق. آخر مرة سمعت عنها إنها حاولت تبيع هدايا ومجوهرات كان دانيال جايبهالها عشان تسدد ديونها. لكن النهاية الحقيقية حصلت بعد ست شهور. كنت وقتها قاعدة في مكتبي الجديد في شركة أبويا، وبنتي نايمة في الأوضة الجانبية، لما السكرتيرة دخلت وقالت إن فيه حد مصر يقابلني. ولما خرجت… لقيت دانيال. كان مختلف تمامًا. خسر وزنه، شعره مبهدل، وبدلته الرخيصة باين عليها إنها قديمة. لأول مرة، ماكانش عنده أي هالة قوة. وقف قدامي وقال بصوت مكسور: “إيفلين… أنا خسرت كل حاجة.” بصيتله بهدوء من غير أي شفقة. قال: “فانيسا سابتني… والمحامين خدوا البيت… وأنا ممكن أدخل السجن.” ولثواني فضل ساكت كأنه مستني أضعف. مستني النسخة القديمة مني ترجع. لكن النسخة دي ماتت في المطر قدام البيت الليلة دي. قال أخيرًا: “أرجوكي ساعديني.” بصيتله طويل، ثم فتحت الدرج وطلعت منه صورة صغيرة. صورتي وأنا حامل، مرمية في الطين قدام البيت، خدها أحد الضباط تلك الليلة. حطيتها قدامه على المكتب. دانيال بص للصورة وسكت. قلت بهدوء: “فاكر الليلة دي؟” نزل عينه للأرض. قلت: “أنا كل يوم بصحى وأفتكر إن بنتي كان ممكن تموت بسببك.” بدأ يعيط فعلًا، لكن دموعه ماحركتش فيا أي حاجة. قلت للحرس: “وصّلوا السيد كروس للخروج.” وهو بيتسحب برا المكتب، وقف للحظة وقال: “إنتِ عمرك ما حبيتيني.” ابتسمت لأول مرة بصدق، وبصيت ناحية أوضة بنتي، وقلت: “أنا حبيتك أكتر مما تستحق… وده كان أكبر غلطة.” وبعد ما خرج، قمت ببطء، دخلت أوضة بنتي، وشلتها من السرير الصغير وهي بتضحك بنعاس. المطر وقتها كان نازل خفيف برا الشبابيك، لكن المرة دي ماكانش مخيف. كان مجرد صوت بعيد… بيفكرني إن أسوأ ليلة في حياتي هي نفسها اللي بدأت فيها حياتي الحقيقية.

بعد سنة كاملة من الليلة اللي اترميت فيها وسط المطر، كنت واقفة قدام المراية في أوضة مكتبي بالدور الأخير من برج “هاريسون جروب” في مانهاتن، بظبط ياقة البدلة الرمادي وأنا سامعة ضحكة بنتي “هوب” جاية من أوضة السكرتارية برا. الشركة كلها بقت تعرفها. الموظفين كانوا بيتخانقوا مين يشيلها، ومين يجيب لها ألعاب، ومين يخليها تضحك أكتر. والغريب

إن نفس الشركة اللي دانيال كان فاكر إنه سيطر عليها بخبثه، بقت أكبر نجاح في تاريخ عيلة هاريسون بعد ما أنا استلمت إدارتها رسميًا. لكن رغم كل النجاح ده… كان فيه إحساس طول الوقت إن الماضي لسه ما خلصش حسابه الأخير.

في اليوم ده تحديدًا، كنت داخلة اجتماع مهم مع مستثمرين أوروبيين، وكل حاجة ماشية perfect، لحد ما تليفوني الخاص رن. الرقم كان غريب، لكن أول ما رديت سمعت صوت ست كبيرة بتعيط.

“إيفلين… أنا والدة دانيال.”

الصمت جمد في مكاني.

آخر مرة سمعت صوت الست دي كانت وهي بتقف في المحكمة تقول إني خرّبت حياة ابنها.

قالت بصوت متقطع: “أرجوكي… لازم تشوفيه.”

قفلت عيني للحظة. جزء مني كان عايز يقفل الخط فورًا، لكن فيه حاجة في صوتها خوفتني.

سألت ببرود: “هو فين؟”

قالت وهي بتشهق: “في المستشفى… حاول ينتحر.”

إيدي شدت على التليفون بدون وعي.

ولثواني، كل الأصوات حواليا اختفت.

مش حب… ولا شفقة.

لكن صدمة.

لأن مهما كان اللي عمله… دانيال كان يومًا ما الشخص اللي شاركني سنين من عمري.

بعد ساعة، كنت داخلة مستشفى حكومي بعيد عن الأماكن اللي كان دانيال يحب يتصور فيها زمان. مفيش بدلات فخمة، ولا عربيات سوداء، ولا موظفين بيجروا وراه. بس ريحة مطهرات قديمة، وإضاءة باهتة، وهدوء كئيب.

أمه كانت قاعدة برا الأوضة، شكلها اتهد تمامًا. أول ما شافتني قامت بسرعة وقالت: “الحمد لله إنك جيتي.”

لكن قبل ما تكمل، قلت ببرود: “أنا جاية أعرف إيه اللي حصل. مش أكتر.”

هزت راسها بسرعة كأنها خايفة أمشي.

دخلت الأوضة…

واتجمدت.

دانيال اللي كان بيقف قدام المرايات بالساعات علشان يظبط شكله، كان راقد على سرير أبيض، ضعيف، دقنه طويلة، ووشه أصفر بشكل مرعب. الأجهزة حواليه بتطلع أصوات منتظمة، وعينيه كانت سقف الأوضة، مش حتى باصص ناحيتي.

لما حس بيا، لف ببطء.

ولأول مرة من يوم عرفته…

شفت إنسان مكسور فعلًا.

ابتسم ابتسامة باهتة وقال: “طبعًا جيتي علشان تتأكدي إني خسرت.”

ما رديتش.

قربت كرسي وقعدت بهدوء.

قال وهو بيضحك ضحكة صغيرة موجوعة: “عارفة؟ كنت فاكر إني لو خدت فلوسك وشركتك… هبقى أقوى. لكن أول ما كل حاجة وقعت، اكتشفت إن مافيش حد أصلًا كان بيحبني.”

رديت ببرود: “الناس اللي بتستخدم الكل… بتنتهي

لوحدها.”

سكت شوية، وبعدين قال: “فانيسا باعتني.”

تم نسخ الرابط