أنا اسمي ندى، وعمري ما كنت أتخيل إن أكتر ست كرهتها في حياتي هتبقى هي نفس الست اللي هتعلمني يعني إيه وجع حقيقي… ويعني إيه أم تموت بالبطيء وهي ساكتة. كنت فاكرة إن حماتي بتسرق لحمة العيد وتعب جوزي عشان تديه لابنها العاطل حسن، وكنت شايفة إن الأوضة المقفولة بجنزير فوق السطوح هي الدليل القاطع على خيانتها لبيتنا ولابنها اللي شقيان طول السنة. وكرهت نفسي لأني في يوم من الأيام نمت في سريري وأنا بدعي عليها من حرقة دمي. أنا وعمـر كنا عايشين في الدور الأول في بيت عيلة قديم في إمبابة، بيت ريحته طول الوقت خليط بين الطبيخ والرطوبة والخناق المكتوم. جوزي كان بيشتغل ورديتين في مصنع حديد، يطلع الفجر ويرجع بعد نص الليل ضهره مكسور ووشه مطفي، وأنا بين العيال والغسيل والطبخ والسلم والحياة اللي بتشفط روح أي ست بهدوء. رغم كل ده، عمر عمره ما رفض لأمه طلب، ولا حتى اتناقش معاها. الحاجة
زينب كانت كلمة واحدة منها تخرس البيت كله. من يوم ما حمايا مات وهي بقت راجل وست البيت مع بعض، محدش يقدر يعترضها. لما قرب العيد، عمر استدان وجاب أضحية كبيرة، وأنا قلبي كان بيتقطع على الفلوس اللي راحت، لأن المدارس داخلة والدنيا نار، لكن حماتي قالتلي وهي باصة لي من فوق لتحت: “اللي يستخسر الدم، ربنا يبتليه في اللحم.” فسكت. بس من وقتها البيت اتغير. حماتي اختفت من الدنيا. الست اللي كانت طول النهار صوتها عالي في كل ركن بقت شبه شبح. ركبت جنزير جديد على أوضة فوق السطوح، أوضة الكراكيب القديمة، والمفتاح بقى متعلق في صدرها حتى وهي نايمة. كانت تاخد صواني الأكل كاملة وتطلع وتقفل بالساعات، وتنزل بالصواني نضيفة كأن حد لحسها. جسمها دبل بطريقة مرعبة، عينيها غارت لجوه، وبقت تصحى بالليل تمشي في الصالة زي التايهة. أوقات كنت بسمع بكا مكتوم جاي من فوق، وأوقات همس، وأوقات صوت حد
بيكح كحة تقطع القلب. ولما فلوس اختفت من درج عمر وقالت ببساطة إنها أخدتها “لله”، حسيت إن دمي بيغلي. كنت متأكدة إنها بتصرف على حسن، أخو جوزي، العاطل اللي طردوه من البيت بعد ما دخل في خناقة كبيرة واختفى. بالليل حكيت لعمر، لكنه زعق فيا لأول مرة بالشكل ده وقال: “لو جبتي سيرة السطوح دي تاني اعتبري نفسك طالق.” الكلمة وقعت عليا زي السكينة. ومن ساعتها وأنا شايلة غل ناحية الست دي، غل كبر جوايا يوم بعد يوم. لحد ليلة وقفة عرفات. البيت كله نايم من التعب، وأنا طلعت السطوح أنشر هدوم، ولقيت الباب موارب. ريحة مرض ودواء وعرق مكتوم خرجتلي من جوه. قلبي دق بعنف. دفعت الباب برجلي وولعت النور. وشوفت المنظر اللي قلب حياتي كلها. حماتي كانت قاعدة على الأرض، وحاضنة جسم ضخم متغطي ببطانية قديمة، وبتأكله بإيديها المرتعشة. صرخت فيها بكل الغل اللي جوايا: “مخبية إيه؟ جوزي شقيان وانتي بتسرقيه
عشان ابنك الفاشل؟” لكنها ماصرختش ولا دافعت عن نفسها. شدت البطانية أكتر وقالت بصوت مكسور: “لو كشفتي البطانية دي يا ندى… هتركعي تحت رجلي تطلبي السماح.” وأنا من غيظي جذبت البطانية بعنف. وفي اللحظة دي… حسيت إن الأرض بتسحبني لتحت. حسن كان تحت البطانية… أو اللي فاضل من حسن. جسمه كان عبارة عن جلد على عضم، نص وشه متآكل، عينيه غايرة، وريحه الموت طالعة منه. صرخت ورجعت لورا وأنا حاطة إيدي على بقي. حسن كان بيترعش وبيبصلي بنظرة مكسورة، ووقتها حماتي انفجرت في العياط لأول مرة قدامي. قالت وهي بتحضنه: “ابني بيموت يا ندى… ابني بيموت.” وقفت مش فاهمة أي حاجة. قالت إن حسن من سنتين دخل في سكة المخدرات، وفي يوم اتخانق مع شلة شمال واتطعن واتنقل المستشفى، وهناك اكتشفوا إنه عنده مرض خطير في الدم، والناس اللي حواليه هربوا منه، وحتى أصحابه رموه. لما خرج، رجع لأمه زي الكلب