كنت فاكرة إن حماتي بتسرق لحمة العيد ل نور محمد

لمحة نيوز

 المكسور، لكن كان خايف عمر يعرف، لأن عمر كان معتبره عار على العيلة. الدكاترة قالوا إنه محتاج علاج بمبالغ كبيرة، لكن حتى العلاج مش مضمون. حماتي باعت دهبها، وباعت نص عفشها القديم، ولما الفلوس خلصت بدأت تاخد من الأكل ومن فلوس البيت عشان تأكله وتشربه وتحاول تخفف ألمه. كانت مخبياه فوق السطوح عشان محدش يشوفه بالحالة دي، لأنه كان بينزف أوقات وبيصرخ من الوجع طول الليل. وأنا واقفة مصدومة، حسن بصلي وقال بصوت خارج بالعافية: “أنا آسف يا مرات أخويا… والله ما كنت عايز آكل لقمتكم.” الكلمة كسرتني. حسيت إني أصغر مخلوق في الدنيا. افتكرت كل دعوة دعيتها عليها، كل مرة بصتلها بقرف، كل مرة اتهمتها بالسرقة والخيانة. حماتي كانت بتموت بالبطيء هي كمان. كانت بتاكل لقمتها ناشفة عشان تسيب اللحمة

لابنها، كانت بتنزل تداري دموعها وتطلعله تاني كأنها شايلة الدنيا فوق ضهرها. ركعت فعلاً قدامها، زي ما قالت، ومسكت رجلها وأنا بعيط بهستيريا. قلتلها: “سامحيني… والله ما كنت أعرف.” لكنها شالتني بسرعة وقالت: “الأم يا بنتي لما الدنيا كلها تقفل في وش ابنها… بتفتح له قلبها حتى لو على حساب عمرها.” في اللحظة دي، عمر صحي على صوت الصريخ وطلع السطوح. أول ما شاف حسن، وقف كأنه اتشل. أخوه اللي كان فاكره هربان وعايش حياته، طلع بيموت فوق دماغه من شهور. حسن حاول يستخبى من نظراته، لكن عمر جرى عليه وحضنه، وفضل يعيط زي الأطفال. لأول مرة في حياتي أشوف راجل بيتهد بالشكل ده. فضل يقول: “ليه يا أمي؟ ليه ماقولتليش؟” فقالت وهي منهارة: “خفت تخسره… وخفت أخسرك.” الليلة دي محدش نام. نزلنا حسن على مستشفى
حكومي بعد ما حالته ساءت، والدكاترة قالوا إن الوقت اتأخر جداً. قعدنا أيام بين المستشفى والبيت. وأنا اللي كنت بغير من لقمة بتطلع فوق السطوح، بقيت أطبخله بإيديا وأحاول أكله. العيال كانوا بيبوسوا إيده وهو يضحك بالعافية. حتى الجيران اللي كانوا فاكرينه بلطجي خايفين منه، لما عرفوا حالته بقوا يجمعوا فلوس للعلاج. لكن المرض كان أسرع من كلنا. في ليلة العيد، والناس بتكبر في الشوارع، حسن طلب يشوف أمه لوحدها. قعدت جنبه ساعة كاملة، ولما خرجت كانت وشها ميت. وبعد الفجر بدقايق… حسن مات. مات وهو حاضن إيد أمه. يوم العيد بيتنا ما دخلوش فرحة. الدبيحة اتدبحت واتوزعت كلها صدقة على روحه. حماتي من بعده كبرت عشرين سنة في شهر واحد. شعرها ابيض بالكامل، وضهرها اتنى، لكن لأول مرة بقيت أشوفها بعين تانية.
بقيت أفهم ليه كانت بتخبي الأكل، وليه كانت بتداري دموعها، وليه كانت بتتحرك بالليل زي الأشباح. كانت أم بتحارب الموت بإيديها العريانين. بعد شهور، وأنا بنضف أوضة السطوح، لقيت تحت مرتبة حسن كشكول قديم. فتحته، ولقيت كل صفحة فيها رسالة بخط مرتعش لأمه. “سامحيني يا أمي إني تعبتك.” “أنا عارف إنك جعانة وبتكدبي وتقولي أكلتي.” “لو مت، قولي لعمر إني كنت بحبه.” وفي آخر صفحة جملة خلتني أعيط لحد ما نفسي اتقطع: “أمي كانت بتأكلني من لحمها… وأنا كنت بموت حتة حتة.” قفلت الكشكول وأنا حاسة إن الدنيا أضيق من قلبي. ومن يومها، كل ما أشوف ست كبيرة شايلة هم عيالها، أفتكر الحاجة زينب… الست اللي افتكرتها حرامية، وطلعت أم عظيمة كانت بتخبي ابنها من قسوة الدنيا… لحد ما الدنيا نفسها خطفته من .

تم نسخ الرابط