جوزي قالي كل واحد يصرف على نفسه

لمحة نيوز

 واحد بياكل على حسابه، هنا أول مرة وشها يتغير وتبص لدرويش وتقولله يعني إيه الكلام ده يا ابني؟ وهو وقف مرتبك ومش عارف يرد، ولأول مرة حس إنه في النص ومش قادر يقف مع أي طرف، وبعد ما مشيت حماتي حصلت أول خناقة حقيقية بيني وبينه مش على الأكل ولا الفلوس لكن على الكرامة، هو بيقول أنا مش متعود على كده والبيت لازم يبقى فيه دفء وأنا قلتله الدفء ماينفعش يبقى من طرف واحد طول الوقت، وبعدها بأيام بدأت المفاجآت الصغيرة تظهر، أول مرة ينزل يشتري حاجته بنفسه ييجي راجع متضايق من الأسعار، أول مرة يحاول يطبخ حاجة لنفسه يحرقها ويقف يبص في الحلة كأنه بيكتشف عالم جديد، لحد ما في يوم الجمعة اللي بعدها جت عيلته تاني زي العادة بس المرة دي مفيش ريحة محاشي ولا رقاق ولا طواجن، في صينية بسيطة لكل واحد حسب طلبه، واللي حصل كان صدمة… راضي وسلفي ومراته بصوا لبعض مستغربين، وحماتي اتنفضت وقالت فين عزومة الجمعة؟ قلتلها مفيش عزومة في نظام كل واحد يشيل نفسه، هنا درويش اتكسف قدامهم لأول مرة، مش من الفلوس، من الفكرة نفسها، لأنهم كانوا متوقعين “بيت مفتوح” ولقوا نظام واقف على رجليه، وبعد ما مشيوا حصلت المواجهة الكبيرة بيني وبينه، لكنه المرة دي ماكانش بيزعق، كان ساكت، وده أخوف من أي صوت عالي، وقاللي أنا بدأت

أفهم إنتي عملتي كده ليه، بس مش عارف نكمل إزاي، وأنا قلتله نكمل باحترام، مش استغلال، ومن غير ما حد يحس إنه شايل التاني طول الوقت، وساعتها سكت خالص، ومن اليوم ده بدأ التغيير الحقيقي، مش رجوع لنفس النظام القديم، ولا استمرار في القسوة، لكن اتفقنا على حاجة تانية خالص، إن البيت شراكة فعلًا مش شعار، وإن العطاء يبقى باختيار مش ضغط، وإن الكلمة الحلوة ما تبقاش مرتبطة بصحن أكل، ومع الوقت حتى الحاجة إجلال بدأت تقلل زياراتها شوية، وصاحب القهوة جمعة اختفى من الصورة، ودرويش نفسه بقى أهدى وأوعى، وأنا ما رجعتش أطبخ لنفس الاستنزاف القديم، لكن لما بعمل حاجة بعملها وأنا مرتاحة مش مجبرة، وفي النهاية درويش قاللي جملة واحدة فضلِت عالقة: أنا كنت فاكر إني عايش في بيت، اكتشفت إني كنت عايش في نظام محدش شايفه غيرك إنتي… وأنا ابتسمت وقولتله وأخيرًا فهمت إن البيت مش حمل طرف واحد ولا عمره هيبقى… والحياة كملت، بس المرة دي بميزان عدل مش ميزان استغلال…:::

وفي ليلة هادية كده، بعد ما الدنيا بدأت تهدى شوية بيني وبين درويش، قعدنا في البلكونة لأول مرة من زمان من غير شد ولا حسابات ولا نقاشات، كان ساكت بشكل غريب، والسكوت ده كان مليان كلام أكتر من أي خناقة فاتت، لحد ما هو كسر الصمت وقاللي بصوت واطي: أنا عمري

ما تخيلت إن اللي كنت شايفه “تدبير بيت” طلع في الحقيقة “حمل على شخص واحد بس”… ساعتها بصيتله وقلتله بهدوء: وأصعب حاجة مش في الحمل يا درويش، أصعب حاجة إن اللي شايله يبقى شكله عادي كأنه مش بيتعب… يسكت عشان ما يبوظش الصورة، ويفضل يكمل لحد ما يتكسر من جوه من غير ما حد يحس، وساعتها هو ما ردش، بس عينه كانت بتقول إنه فهم لأول مرة مش بس الكلام، لكن حجم اللي فات كله… الأيام اللي بعدها ما كانتش مثالية ولا فجأة اتحولت الجنة لبيتنا، لأ، كانت فيها تعثرات ومواقف صغيرة بتختبرنا كل يوم، مرة يرجع يتوتر من مصاريف، ومرة أنا أحس إني لسه شايلة جزء زيادة، لكن الفرق الحقيقي إننا بقينا بنتكلم بدل ما نكتم، وبقينا نوقف أي حاجة قبل ما تكبر وتكسرنا تاني، وفي مرة حماتي إجلال جات من غير ما تعلن زي كل مرة، دخلت لقت الجو هادي مفيهوش صواني ولا ضيوف ولا استعراض، قعدت تبص حواليها باستغراب وقالت: هو إيه النظام الجديد ده؟ فرد درويش المرة دي من غير تردد وقال: ده نظام بيتنا… اللي فيه كل واحد مسؤول بس كمان كل واحد مُحترم، ساعتها سكتت هي كمان لأول مرة من غير تعليق ولا نقد، بس في عينها كان في حاجة بين الصدمة والفهم، وبعد ما مشيت، درويش قعد معايا وقاللي: أنا فاهم دلوقتي إن المشكلة عمرها ما كانت في الفلوس، المشكلة
في الإحساس إن طرف واحد دايمًا متوقع منه كل حاجة وممنوع يتعب أو يقول لأ، وأنا رديت عليه وقلتله: والمشكلة كمان إن الطرف التاني لما بيسكت بيفتكروا إن السكوت رضا، مش تعب، مش ضغط، مش استنزاف، وفي اللحظة دي حسيت إن كل اللي حصل مش انتصار لحد على حد، لكن انتصار لفكرة العدل جوه بيت كان ممكن ينهار من غير ما حد يحس، ومع الوقت البيت فعلاً بدأ يرجع له شكل مختلف، مش بيت مثالي زي الأفلام، لكن بيت فيه حدود واضحة وراحة نفسية ومشاعر ما بقتش بتتداس باسم العيلة، وبقيت لما أطبخ أطبخ وأنا عايزة، ولما أرفض أرفض من غير ذنب، وهو كمان بقى يشارك مش بدافع الضغط لكن بدافع المشاركة، والأهم إن الاتنين بقوا شايفين بعض بوضوح من غير أقنعة ولا أدوار مفروضة، وفي آخر ليلة من الحكاية دي، وهو قاعد بيقفل النور، قاللي جملة بسيطة بس تقيلة: يمكن إحنا ماكنّاش محتاجين نظام جديد… إحنا كنا محتاجين نشوف بعض صح من الأول، وأنا ابتسمت وقلتله: يمكن… بس المهم إننا أخيرًا شفنا، وده في حد ذاته بداية حياة جديدة مش مجرد تصحيح غلط قديم، وساعتها بس حسيت إن القصة اللي بدأت بخناقة على “مين يشيل مين” انتهت بفهم أكبر بكتير… إن البيت مش ميزان فلوس، البيت ميزان احترام، ولما الميزان يتعدل، كل حاجة تانية بتستقيم لوحدها من غير ما نحس.
:::

تم نسخ الرابط