رسالة تهديد
أخت جوزي طلبت مني وهي في منتجع إني أروح أطعم كلبها لأنها قالت إن البيت مقفول ومفيش حد يقدر يروح، وقالتلي في التليفون بصوت هادي جدًا كأنه طلب عادي “لو مش هتقدري يا فوزية قوليلي من الأول عشان أجيب حد غيرك.. بوجي هيموت من الجوع” وبعتتلي مكان المفتاح تحت دواسة الباب زي كل مرة، وأنا فعلاً ما حسّيتش إن في حاجة غريبة وقتها ووافقت عادي وقلت هعدي بعد العصر وأنا راجعة من مشواري، لكن الحقيقة إن شريهان مرات أخويا طول عمرها فيها حاجة مش مريحة رغم إنها قدام الناس شكلها مثالي وهادية وبتتكلم كويس، إنما جوا البيت في حاجات دايمًا بتخلي الواحد يحس إن في ستار تقيل، خصوصًا في طريقة تعاملها مع ابنها الصغير حسن اللي كان عنده خمس سنين، طفل هادي زيادة عن اللزوم، جسمه ضعيف ونظراته دايمًا فيها خوف وبيمسك في لعبة ديناصور خضرا صغيرة كأنها الأمان الوحيد ليه، وكنت مرة قاعدة معاهم وسألته بهدوء “مالك يا حسن مش بتاكل كويس ليه؟” بص في الأرض وقال بصوت واطي “عشان لو أكلت كتير ماما بتزعل” وساعتها شريهان ضحكت وقالت “ده بيبالغ” وعدّت الموضوع كأنه هزار، وأنا سكت بس الإحساس اللي جوايا ما ارتاحش، المهم رحت الشقة بعد العصر بالمفتاح وكانت العمارة هادية زيادة عن الطبيعي، أول ما دخلت مفيش أي صوت، ولا حتى الحركة اللي المفروض تكون في بيت فيه كلب، ناديت “بوجي؟” ومفيش رد، الغريب إن كل حاجة كانت مرتبة بشكل مبالغ فيه، المطبخ نضيف ومفيش أي أثر لوجود كلب ولا طبق مية ولا لعب، وده خلاني أستغرب لأن أي كلب بيبقى
بعد ما الدكتور قال لازم يتم التبليغ، وأنا واقفة في المستشفى مش عارفة أستوعب اللي بيحصل، حسن نايم على السرير متوصل بمحاليل، وبيمسك لعبته الديناصور كأنه ماسك آخر حاجة في الدنيا، وفي اللحظة دي حسّيت إن حياتي كلها دخلت في مرحلة مختلفة تمامًا، مش مجرد زيارة بيت أو مكالمة عادية من شريهان، ده كان في حاجة أكبر بكتير من اللي عقلي كان مستعد يستوعبه
الموضوع ماخدش وقت، المستشفى فعلاً بلغت، وجات أفراد من الجهات المختصة يسألوني وأنا بحكي وأنا صوتي بيتهز كل ما أفتكر الرسائل، وكل ما أفتكر إن “بوجي” أصلاً ماكانش موجود، وإن الطلب كله كان غريب من البداية، وبدأت الأسئلة تتجمع واحدة واحدة، مين قال إيه، وإمتى، وإزاي طفل في بيت لوحده يتقفل عليه بالشكل ده، وأنا كل اللي أقدر أقوله إني كنت رايحة أعمل حاجة بسيطة جدًا
بعد كام ساعة، بدأت الأمور تتوسع، ومحمود أخويا وصل وهو مش فاهم حاجة، أول ما شاف حسن في المستشفى وشه اتقلب، وبقى يسألني بصوت عالي: “إيه اللي حصل؟!” وأنا مكنتش قادرة أجاوب بجملة مفيدة، كل اللي كنت بقوله “مش فاهمة، هي قالتلي كلب” وهو كان واقف مصدوم ومش قادر يربط الكلام ببعضه، وبعدها بدأوا يوروه الرسائل، ووقتها الصمت كان أعمق من أي كلام
المفاجأة إن شريهان ماكنتش في المكان اللي قالت عليه طول الوقت، الفندق اللي قالت إنها فيه ماكنش فيه أي تسجيل ليها في الفترة دي، وده خلّى الموضوع ياخد اتجاه تاني خالص، كأن كل التفاصيل اللي كانت باينة بسيطة فجأة بقت مش مترابطة، كأن في قصة تانية ماشية تحت السطح وأنا دخلت فيها من غير ما أعرف
الشرطة بدأت تتحرك بشكل أوسع، وطلبوا مني أرجع الشقة معاهم، وأنا وأنا رايحة كنت حاسة إن كل خطوة تقيلة، كأن المكان نفسه مش عايزنا ندخله، ولما دخلنا الشقة تاني، المرة دي ماكانش فيها هدوء زي الأول، كانت مليانة ناس، وأجهزة تصوير، وأسئلة، وكل ركن فيها بقى دليل محتمل
واحد من اللي مع الفريق لاحظ حاجة غريبة، موبايل قديم متسيب في ركن صغير في الشقة، مكنش ظاهر قبل كده، ولما فتحوه، لاقوا تسجيلات صوت ورسائل قديمة، مش كلها ليها معنى واضح، لكن كان فيها إشارات غريبة جدًا عن خطط سفر، ومواعيد، وكلام عن “الهدوء” و”إن محدش لازم يعرف”، وأنا كل ما كنت بسمع أكتر كنت بحس إن الصورة اللي كنت فاكرة إني عارفاها عن شريهان بتتكسّر