رسالة تهديد

لمحة نيوز

وفي نفس الوقت، في المستشفى حسن بدأ يفوق شوية، وكان أول سؤال سألُه وهو بصوت ضعيف جدًا: “هي ماما زعلانة مني؟” السؤال ده كان كفيل إنه يخليني أوقف عن أي تفكير تاني وأحس إني مش قادرة أسيب الموضوع يعدي كده عادي، لكن محدش كان عنده إجابة سهلة، ولا حتى محمود كان قادر يقول حاجة

بعد يومين، بدأت خيوط جديدة تظهر، اتضح إن في خلافات قديمة بين شريهان ومحيطها العائلي ماكنتش باينة، وإن في ضغوط مالية وأسرية كانت مخفية بشكل كامل، وإن كل الصورة المثالية اللي كانت بتظهر بيها قدام الناس كانت مجرد واجهة متقفلة بإحكام، وكل ما التفاصيل كانت بتطلع، كنت بحس إني معرفتش الإنسانة دي أصلًا

وفي لحظة معينة، وصلني اتصال من رقم غريب، صوتها كان هي، شريهان، لكن المرة دي مكنش فيه هدوء ولا دلع، كان فيه توتر واضح، وقالت جملة واحدة بس: “إنتي دخلتي في حاجة أكبر منك يا فوزية، وسيبّي الموضوع يقف هنا” وبعدها الخط قطع

وقتها فهمت إن اللي بدأ بكلمة “أطعم الكلب” ماكانش طلب بسيط خالص، وإن في شبكة كاملة من الأسرار كانت متغطية تحت تفاصيل يوم

عادي جدًا، وأنا دخلت فيها من غير ما أعرف، ومن غير ما أكون مستعدة

لكن اللي كان لسه غامض وقتها إن حسن، وهو بيتحسن يوم ورا يوم، كان بيسأل سؤال واحد كل مرة يفتح عينه: “هي ليه كانت بتقول إني وحش؟” وسؤال بسيط زي ده كان كفيل إنه يخليني أقرر إني مش همشي في الموضوع ده نص خطوة، لأ، لازم أعرف الحقيقة للآخر حتى لو الحقيقة دي هتغير كل اللي حواليّا للأبد…

بعد أيام من التحقيقات، الصورة بدأت تهدى شكليًا، لكن جوايا كانت بتسخن أكتر كل يوم. حسن حالته اتحسنت تدريجيًا في المستشفى، بقى يفتح عينه أكتر، يشرب مية، وياكل لقيمات صغيرة، بس الحاجة اللي ما اتحسّنتش كانت نظرته… كان لسه كل ما يسكت شوية يسأل نفس السؤال: “هي ليه كانت بتقول إني وحش؟”

السؤال ده ماكنش مجرد جملة لطفل، كان زي حجر تقيل بيتحط على قلبي كل مرة.

محمود أخويا بقى عايش بين المستشفى والبيت والتحقيقات، ووشه بقى مشدود طول الوقت، كأنه بيحاول يفهم حاجة أكبر منه هو كمان. والناس حواليه كانوا بيتعاملوا بحذر، كأن أي كلمة زيادة ممكن تفجر اللي تحت السطح.

وفي يوم،

وأنا قاعدة جنب سرير حسن بالليل، النور خافت، والممر هادي، فتح عينه فجأة وبصلي نظرة طويلة، وقال بصوت واطي جدًا كأنه بيطلع بالعافية:

“عمتو… أنا كنت فاكر إني وحش بجد.”

الكلمة دي كسرت حاجة جوايا. حسّيت إن كل اللي فات مش بس سوء فهم أو لحظة غلط، ده أثر أعمق من كده، أثر طفل عاش في خوف من غير ما يفهم ليه.

مسكت إيده وقلت له بصوت مخنوق:
“إنت مش وحش… ولا يوم كنت كده.”

سكت شوية، وبعدين سأل سؤال تاني خلا قلبي يقع:

“طب ليه هي قالتلي كده؟”

ماكانش عندي إجابة. ولا حتى الحقيقة اللي بدأت تطلع كانت كافية تشرح لطفل خمس سنين ليه المفروض حد يخليه يحس بالشكل ده.

في الأيام اللي بعدها، شريهان اختفت تمامًا. لا تليفونات، لا رسائل، لا أي أثر. كأنها اتسحبت من الصورة فجأة. وكل اللي كان بييجي من الجهات المختصة كان جمل قصيرة، إن في إجراءات شغالة، وإن الصورة “أكبر من اللي باين”، وإن في تفاصيل مش هتتقال دلوقتي.

بس أنا كنت حاسة بحاجة تانية… إن الموضوع ماخلصش، وإن الاختفاء ده مش نهاية، ده مجرد تغيير مكان الظل.

حسن خرج من

المستشفى بعد فترة، وبدأ يرجع يضحك تدريجيًا، بس الغريب إن الديناصور الخضرا فضل معاه في كل خطوة، كأنه رابط بينه وبين مرحلة كان نفسه ينساها، بس مش قادر.

وفي يوم، وإحنا خارجين من المستشفى، وقف قدامي فجأة، وشد إيدي، وقال بهدوء غير متوقع لطفل في سنه:

“أنا مش عايز أرجع البيت القديم.”

سألته: “ليه يا حبيبي؟”

رد وهو باصص في الأرض:
“عشان كنت بحلم هناك إني مش موجود.”

الكلام وقف الزمن لحظة.

وقتها فهمت إن النهاية اللي كنت مستنياها مش هتيجي بشكل درامي ولا مفاجأة كبيرة، لكن هتيجي بشكل أهدى… وأقسى في نفس الوقت. إن في بيوت ممكن تبقى شكلها طبيعي، وأسماء ممكن تبقى قريبة، بس الحقيقة اللي جواها تفضل مستخبية لحد ما حد صغير جدًا يصرخ من غير ما يقصد، فيكشف كل حاجة.

شريهان ماكنتش مجرد شخص اختفى… كانت جزء من صورة اتكسرت، وكل جزء فيها كان بيحكي حاجة محدش كان عايز يشوفها.

أما أنا، فبقيت فاهمة حاجة واحدة بس من كل اللي حصل: إن أبسط طلب ممكن يتقال في تليفون، ممكن يفتح باب لحقيقة عمرها ما كانت هتظهر لو الدنيا فضلت ساكتة.

وإن في قصص، مهما حاولت تقفلها… بتفضل مفتوحة في قلبك للأبد.

تم نسخ الرابط