زوجي ل أماني السيد

لمحة نيوز

البيت كله بقى هادي بشكل غريب، هدوء يخوف أكتر من ألف خناقة. هو كان فاكر إن الأيام هتصلح اللي اتكسر، وإن كام خروجة وكلمتين حلوين ممكن يرجعوا الست اللي كانت بتستناه بالساعات وتفرح لمجرد إنه يبصلها بحنية. لكنه ماكنش فاهم إن في حاجات لما بتنكسر مبتتصلحش، بتتغير شكلها للأبد. وأنا فعلًا كنت اتغيرت.
بقيت أصحى الصبح لنفسي، ألبس لنفسي، أشتغل لنفسي، وحتى ضحكتي بقت طالعة من مكان تاني غير المكان اللي كان متعلق بيه. ولأول مرة من سنين، حسيت إني بني آدم كامل مش تابع لحد. الغريب إن كل ما كنت بقوى، هو كان بيضعف أكتر. بقى يراقبني بعينه طول الوقت، يسألني رايحة فين، بتكلمي مين، ليه بقيتي مبتحكيش تفاصيل يومك زيه زمان. وأنا كنت برد عادي جدًا، من غير تحدي ولا استفزاز، لكن برودى كان بيقتله.
وفي مرة، كنت واقفة قدام المراية بلبس عشان نازلة الشغل، لقيته داخل عليا وساكت شوية، وبعدها قال بصوت واطي هو إنتِ خلاص مبقتيش محتاجاني؟
السؤال وجعني رغم كل حاجة. لأن الحقيقة إني عمري ما كنت عايزة أستغنى عنه، أنا كنت بس عايزة أحس إني مراته فعلًا مش حمل زيادة على حياته. بصيتله وقتها وقلت أنا كنت محتاجاك أوي بس كل مرة كنت بمد إيدي كنت بترجعني خطوة لورا.
واضح إن الجملة فضلت ترن في دماغه أيام. بدأ يحاول يقرب أكتر، يقعد معايا، يكلمني عن شغله، حتى أمه اللي كانت دايمًا بتتعامل معايا إني دخيلة على العيلة، بقت فجأة تتصل تسأل عليا
وتبعتلي أكل وحلويات. كنت حاسة إنهم كلهم بدأوا يقلقوا بعد ما حسوا إني بقيت بعيدة فعلًا، وإن الست اللي كانوا ضامنين سكوتها بدأت تفوق لنفسها.
لكن الحاجة اللي قلبت كل شيء حصلت بعد حوالي ست شهور.
في يوم، وأنا في الشغل، جالي إشعار على الفيسبوك إن في صور جديدة متضافه. دخلت بالصدفة، ولقيت صورة كبيرة متعلقة في فرح بنت خالته صورة عائلية ضخمة فيها كل العيلة واقفين بيضحكوا، الرجالة والستات والأطفال إلا أنا.
أنا ماكنتش موجودة أصلًا.
وقفت أبص للصورة وقلبي بيدق بعنف. مش لأنهم متصورين من غيري، لا لكن لأنهم أصلًا ماكانوش حتى شايفين وجودي ضروري. يومها افتكرت كل مرة كنت أتحجج له وأقول أكيد الظروف، أكيد صدفة، أكيد نسي. لكن الصورة دي كانت أوضح اعتراف بالحقيقة أنا طول عمري كنت خارج الصورة حرفيًا.
رجع البيت لاقاني قاعدة ساكتة بشكل مرعب. حاول يحكيلي عن يومه، لكني وريته الصورة من غير كلمة. أول ما شافها اتوتر، وقعد يقول إنه كان فاكر إني مشغولة وإن التصوير حصل بسرعة. لكني المرة دي ما سكتش. لأول مرة في جوازنا كله، انفجرت.
قلتله بصوت كله وجع سنين أنا تعبت! تعبت من إني كل مرة أحاول أقنع نفسي إن ليا مكان عندك! إنت عمرك ما شفتني فرد من عيلتك، كنت دايمًا حاسس إني دخيلة! حتى في أسعد لحظاتكم أنا مش موجودة!
كان واقف مصدوم، وأنا بكمل والدموع بتنزل غصب عني إنت عارف أصعب إحساس إيه؟ إن الست تحس إنها بتترجى حقها الطبيعي
إن جوزها يفتخر بيها. أنا بقيت بحس إني عبء عليك، وإنك بتتنفس أحسن لما أكون بعيدة.
ولأول مرة شوفته بيعيط.
قعد على الكنبة وحط إيده على وشه وقال بصوت متكسر أنا ظلمتك والله ظلمتك. أنا اتربيت طول عمري إن الراجل لما يكون وسط أهله يعيش بحريته، والست تفضل في البيت. كنت فاكر إني كده طبيعي ومخدتش بالي غير لما حسيت إنك بتبعدي فعلًا.
لكن المشكلة إن الاعتراف المتأخر ساعات بييجي بعد ما القلب يخلص طاقته.
عدت أيام وإحنا ساكتين. هو بيحاول يصلح، وأنا بحاول أفهم نفسي. لحد الليلة اللي صحيت فيها الفجر، لقيته قاعد في البلكونة لوحده. قربت منه بهدوء، لقيت في إيده صور قديمة لينا. أول سنة جواز، أول خروجة، أول عيد. كان باصص للصور كأنه بيشوف ناس ماتوا.
قالي من غير ما يبصلي إنتِ فاكرة الصورة دي؟ يومها كنا في مطعم صغير وأنتِ فضلتي تضحكي عشان الأكل اتحرق.
افتكرت فعلًا يومها كنت سعيدة بشكل بسيط جدًا. مكانش عندي طلبات كبيرة، بس كان عندي أمل.
بصلي وقتها بعين كلها ندم وقال أنا ضيعتك بإيدي.
الجملة وقفت الزمن جوايا. لأن لأول مرة يحس فعلًا بالخسارة. مش خوف إنه يخسر خدامة البيت أو الست اللي بتستحمله لا، حس إنه خسر إنسانة كانت بتحبه بصدق نادر.
ومن بعدها بدأ يعمل حاجات عمره ما عملها. بقى يرفض خروجات أهله لو أنا مش موجودة. بقى ياخدني معاه في أي مناسبة حتى لو بسيطة. لأول مرة سافرنا لوحدنا، وقعد طول الطريق يحاول يضحكني كأنه
بيعوض سنين كاملة. لكن الحقيقة المؤلمة إن الإنسان لما بيتوجع كتير، جزء منه بيموت للأبد.
وفي آخر ليلة في السفر، كنا قاعدين قدام البحر. كان الجو هادي، وصوت الموج عالي، وفجأة قالي قوليلي الحقيقة إنتِ لسه بتحبيني؟
السؤال كان صعب بشكل مايتوصفش. لأن الحب موجود لكن تعبان. مرهق. مليان ندوب.
بصيت للبحر طويل وقلتله أنا بحبك بس الحب لوحده مش كفاية. في حاجات لما بتتكسر مبتعرفش ترجع زي الأول.
سكت وقت طويل، وبعدها قال بهدوء أنا مستعد أفضل أصلح اللي عملته طول عمري.
وقتها بس فهمت حاجة مهمة جدًا إن بعض الرجالة ما بيفوقوش إلا لما يحسوا إن الست فعلًا ممكن تمشي، وإن الطيبة الزايدة ساعات بتخليهم يستهينوا بالنعمة اللي في إيديهم. وأنا كنت طول السنين بدي من غير ما أحط حدود، لحد ما هو اتعود إن وجودي مضمون.
رجعنا من السفر، والحياة كملت لكن بشكل مختلف. بقيت أقوى، وهو بقى أهدى. بقيت أحب نفسي الأول، وهو اتعلم أخيرًا إن الزوجة مش قطعة أثاث في البيت، ولا اسم بيتكتب في البطاقة. الزوجة روح كاملة، لو اتكسرت مرة بعد مرة، ممكن تفضل عايشة بنفس المكان لكن بقلب غريب عمره ما يرجع زي الأول.
وأقوى حقيقة اتعلمتها من كل اللي حصل إن الست مش بتموت من قلة الحب، الست بتموت من الإحساس إنها مش مهمة. من الإحساس إنها آخر الاختيارات، وإن وجودها وعدمها واحد. ولما الست توصل للمرحلة دي، يا إما بتنهار يا إما بتصحى.
وأنا يومها صحيت.
صحيت
متأخر لكن أخيرًا عرفت قيمتي.

تم نسخ الرابط