عشان 15 مليون جنيه

لمحة نيوز

ومع الوقت بدأت مريم تفكر في شيء لم يخطر ببالها من قبل. كانت تمتلك من المال ما يكفي لتعيش حياة مريحة لعقود طويلة، لكنها لم تعد تنظر إلى المال بنفس الطريقة القديمة. كانت تتذكر كم من الناس يمكن أن يتعرضوا للخداع أو الاستغلال لأنهم لا يجدون من يقف بجانبهم. وذات مساء جلست مع أبيها وقالت له إنها تريد أن تستخدم جزءًا من ميراثها في مشروع يساعد الناس الذين يقعون ضحية الاحتيال والاستغلال المالي. نظر إليها عماد طويلًا ثم ابتسم ابتسامة فخر نادرة الظهور على وجهه وقال: "أهو ده الاستثمار الحقيقي اللي عمره ما يخسر."

بدأت الفكرة صغيرة جدًا. مكتب متواضع وعدد قليل من المتطوعين والمتخصصين القانونيين الذين يقدّمون استشارات مجانية للناس. في البداية لم يكن أحد يتوقع نجاح المشروع، لكن الأخبار انتشرت بسرعة. صار الناس يأتون من أماكن مختلفة حاملين قصصًا مؤلمة عن عقود غير مفهومة وأموال ضائعة ووعود كاذبة. كانت مريم تستمع لكل شخص بعناية، لأنها تعرف جيدًا معنى أن يشعر الإنسان بأن لا أحد يصدقه. وكانت كل قضية تُحل تمنحها شعورًا جديدًا بالقوة، كأنها تسترد جزءًا من نفسها في كل مرة تساعد فيها شخصًا آخر.

أما عماد، فعلى

الرغم من تقدمه في العمر، وجد نفسه يعود إلى المجال الذي أمضى فيه سنوات طويلة. لم يعد يعمل بشكل رسمي، لكنه صار يقدم خبرته ونصائحه لمن حوله. كان يجلس في المكتب الجديد ساعات طويلة، يراجع المستندات ويشرح للشباب كيف يلاحظون التفاصيل الصغيرة التي تكشف الحقيقة. وكان الجميع ينادونه بلقب "الأستاذ"، بينما كان هو يصر على أنه مجرد رجل يحب أن يرى الحق يعود إلى أصحابه.

مرت سنة كاملة، وتحول المكتب الصغير إلى مؤسسة معروفة. وأصبح لها مقر أكبر وفريق عمل محترف. وفي حفل افتتاح المقر الجديد وقف أحد الصحفيين يسأل مريم عن السبب الحقيقي وراء إنشاء المؤسسة. ساد الصمت للحظة، ثم قالت بهدوء: "لأن شخصًا واحدًا وقف بجانبي عندما كنت أعتقد أنني فقدت كل شيء. وأريد أن يشعر كل إنسان يمر بمحنة أن هناك من يقف بجانبه أيضًا." لم تذكر تفاصيل ما حدث لها، ولم تهاجم أحدًا، بل تحدثت عن الأمل وعن أهمية أن يجد الإنسان يدًا تمتد إليه في أصعب لحظاته.

في تلك الليلة عاد عماد إلى المنزل وهو يشعر بسعادة لم يعرفها منذ سنوات طويلة. جلس في الحديقة الصغيرة أمام البيت، بينما كانت مريم ترتب بعض الأوراق الخاصة بالمؤسسة. نظر إليها طويلًا وقال:

"أمك لو كانت عايشة النهارده كانت هتبقى فخورة بيكي جدًا." توقفت مريم عن العمل للحظة وشعرت بعينيها تمتلئان بالدموع. لم تكن دموع حزن هذه المرة، بل دموع امتنان. لأنها أدركت أن ما تركته أمها لم يكن المال ولا العقارات، بل القيم التي جعلتها تقف على قدميها من جديد.

ومع مرور الوقت بدأت الحياة تمنح مريم أشياء جميلة لم تكن تتوقعها. استعادت صداقاتها القديمة، وعادت إلى ممارسة هواياتها التي أهملتها سنوات طويلة، وصارت تسافر أحيانًا مع أبيها إلى مدن مختلفة داخل مصر. كانا يزوران أماكن جديدة ويتحدثان لساعات طويلة عن المستقبل بدلًا من الماضي. وكلما رأت أباها يضحك من قلبه كانت تشعر أن الدنيا تعوضهما عن أيام كثيرة من القلق والتعب.

وفي أحد الأيام تلقت المؤسسة رسالة من فتاة شابة كتبت كلمات بسيطة لكنها مؤثرة للغاية. قالت إنها كانت تمر بظروف صعبة وشعرت أنها فقدت الأمل، ثم سمعت قصة مريم وكيف بدأت من جديد، فقررت ألا تستسلم. عندما قرأت مريم الرسالة ظلت صامتة لدقائق طويلة. ثم وضعتها أمام أبيها. قرأها هو الآخر وأعادها إليها دون أن يتكلم. لم يكن هناك ما يحتاج إلى قوله. فبعض الكلمات تكون أكبر من أي تعليق.

وفي مساء

هادئ من أمسيات الشتاء، جلس الأب وابنته أمام المدفأة الصغيرة. كان المطر يتساقط خارج المنزل، والدفء يملأ المكان. قالت مريم وهي تنظر إلى ألسنة النار الهادئة: "فاكر اليوم اللي وصلت فيه البيت فجأة؟" ابتسم عماد وقال: "أنساه إزاي؟" قالت: "لو كنت اتأخرت يوم واحد بس، كان زمان حياتي كلها مختلفة." هز رأسه ببطء ثم أجاب: "يمكن. لكن اللي أنا متأكد منه إن ربنا كان كاتب إنك تكملي طريقك. ويمكن كل اللي حصل كان علشان توصلي للمكان اللي إنتِ فيه دلوقتي."

ساد الصمت مرة أخرى، لكنه كان صمتًا مريحًا هذه المرة. صمت أشخاص عرفوا معنى الخوف، ثم عرفوا معنى النجاة. عرفوا معنى الخذلان، ثم عرفوا قيمة من يبقى بجانبك عندما يرحل الجميع. وفي تلك اللحظة أدركت مريم أن قصتها لم تكن قصة مال ضائع أو حق مسترد فقط، بل كانت قصة إنسان تعثر بقوة ثم نهض من جديد. وقصة أب لم يتوقف يومًا عن حماية ابنته مهما تقدم به العمر. وقصة أمل انتصر في النهاية على كل شيء آخر. ومنذ ذلك اليوم، كلما دخل شخص إلى المؤسسة طالبًا المساعدة، كانت مريم تستقبله بابتسامة هادئة وتقول له جملة واحدة أصبحت شعار حياتها كلها: "مهما كانت المشكلة كبيرة، دائمًا يوجد طريق

للعودة إلى النور."

تم نسخ الرابط