بنت الملجأ

لمحة نيوز

بنتي المتبنّاة اتجبرت تغسل المواعين بينما أولاد خالاتها كانوا بيلعبوا... لكن اللي اكتشفته بالليل غيّر عيلتنا كلها للأبد. "اغسلي كويس يا بت يا فاشلة.. أنتِ حتى دي مش عارفة تعمليها؟!" دي كانت أول كلمات سمعتها أول ما عتبت باب بيت أبويا وأمي، ولقيت بنتي نور اللي عندها ست سنين واقفة على صندوق خشب قدام حوض المطبخ، دراعاتها الصغيرة غرقانة في مية الصابون ووشها كله دموع. في اللحظة دي حسيت إن حاجة جوايا اتكسرت.  وشيلتها من قدام الحوض وبصيت لأبويا وأمي وأنا مش قادر أصدق إن دول نفس الناس اللي ربيوني. أبويا قال بكل برود إن بنات أختي هم الحفايد الحقيقيين، أما نور فلازم تعرف مقامها. الكلمة نزلت على قلبي زي السكينة. خرجت من البيت وأنا شايل نور ومش سامع ورايا لا صريخ أمي ولا تبريرات أختي. طول الطريق نور كانت ساكتة، ولما وصلنا البيت وساعدتها تغير هدومها وتاكل لقمتين بالعافية، بصتلي بعينين مليانين خوف وقالت: "بابا... أنا عملت حاجة وحشة؟" ساعتها حسيت إن الدنيا كلها بتلف بيا. طفلة صغيرة بدل ما تسأل ليه اتظلمت، كانت خايفة تكون هي السبب. قعدت جنبها ومسكت إيديها وقلت لها: "إنتِ أحسن حاجة حصلت في حياتي كلها، ومفيش حد في الدنيا يقدر يقلل منك." نامت بعد شوية من التعب، لكن أنا معرفتش أنام. قعدت أبص على وشها وهي نايمة وأفتكر كل مرة كنت بحاول أقنع نفسي إن أهلي هيتغيروا. افتكرت كل مرة كانوا يجيبوا هدايا لبنات أختي وينسوا نور. كل مرة كانوا يخرجوا معاهم ويسيبوها. كل مرة كنت أقول يمكن من غير قصد. لكن اللي حصل النهاردة أثبت إن الموضوع أكبر من كده بكتير. فتحت الملفات اللي عندي وقعدت أراجع كل حاجة تخص البيت القديم. الحقيقة إن البيت اللي عايش فيه أبويا وأمي كان مهدد بالحجز من سنين بسبب الديون، وأنا اللي كنت بسدد كل شهر عشان أحافظ عليه. مش بس

كده، ده أنا كمان كنت ضامن جزء كبير من الالتزامات اللي عليهم. في الليلة دي أخدت قرار عمري ما كنت أتخيل إني هاخده. كلمت المحاسب بتاعي وطلبت منه يوقف كل التحويلات الشهرية اللي كانت بتروح لهم. وبعدها كلمت المحامي وحددت معاه معاد الصبح. تاني يوم الصبح، كالعادة، رن تليفوني عشر مرات. أمي وأبويا وشيرين. مردتش. روحت للمحامي وبدأنا نرتب أوضاعي المالية بشكل يضمن مستقبل نور بالكامل. كنت حاطط جزء كبير من مدخراتي في استثمارات مختلفة، وقررت أحط خطة طويلة المدى عشان مستقبلها وتعليمها وأمانها. وأنا خارج من المكتب، لقيت أمي مستنياني قدام الشركة. أول ما شافتني جريت عليا وهي بتزعق: "إنت قطعت الفلوس؟!" مكنش أول سؤالها عامل إيه ولا نور عاملة إيه. كان أول سؤال عن الفلوس. ساعتها تأكدت إن قراري صح. قلت لها بهدوء: "من النهاردة أنا مسؤول عن بنتي وبس." فضلت تعيط وتقول إنهم محتاجين المساعدة وإنهم أهلي. سألتها سؤال واحد: "ولما بنتي كانت واقفة بتغسل المواعين وبتعيط، كانت من أهلكم؟" معرفتش ترد. بعد يومين بدأت المشاكل الحقيقية تظهر. الأقساط المتأخرة والديون اللي كنت بغطيها رجعت تطلع للسطح. شيرين اتصلت بيا تصرخ وتقول إني بخرب البيت. قلت لها إن البيت مكنش هيقع لو كانوا عاملوا طفلة صغيرة بإنسانية. حاولت تقنعني إن اللي حصل مجرد سوء تفاهم، لكن فات الأوان. بعدها بأسبوع حصل شيء مكنتش متوقعه. مدير دار الأيتام اللي كنت اتعرفت فيه على نور من سنين كلمني يدعوني لحفل خيري. وافقت أروح أنا ونور. وهناك قابلت ناس كتير ناجحين كانوا متبنين أطفال أو بيكفلوا أيتام. لأول مرة حسيت إن بنتي موجودة وسط ناس شايفاها إنسانة كاملة مش أقل من حد. نور قضت اليوم كله بتضحك وتلعب. وأنا كنت كل شوية أبص عليها وأقول لنفسي إن ده المكان اللي تستحقه. بعد الحفل بكام يوم، جالي اتصال من
رقم غريب. كان أبويا. صوته كان مختلف. مكسور لأول مرة. طلب يشوفني. وافقت على مضض. قابلته في كافيه هادي. الراجل اللي كان دايمًا شايف نفسه صح، كان باين عليه التعب. قعد ساكت شوية وبعدين قال: "البيت هيتباع لو ملحقناش الموقف." بصيت له من غير ما أتكلم. كمل وقال: "أنا غلطت." كانت أول مرة أسمعها منه. لكنه بعدها قال جملة خلتني أفهم إنه لسه مش فاهم كل حاجة: "بس برضه إنت كبرت الموضوع." ساعتها قومت واقف وقلت له: "أنا ما كبرتوش. إنتوا اللي صغرتوا طفلة بريئة لدرجة خليتوها تحس إنها أقل من غيرها." ومشيت. الأيام عدت، وبدأت حياتي أنا ونور تهدى. بقيت أرجع من الشغل ألاقيها مستنياني عشان تحكيلي عن المدرسة وصحابها. ضحكتها رجعت زي الأول. الخوف اللي كان في عينيها اختفى بالتدريج. وفي يوم وهي راجعة من المدرسة جريت عليا بورقة وقالتلي إنها أخدت جايزة التلميذة المثالية. وأنا حاسس إن كل تعب الدنيا يهون عشان اللحظة دي. بعد شهور طويلة، سمعت إن البيت القديم اتباع فعلًا واتنقلوا لشقة أصغر. مش شماتة، لكن كانت نتيجة طبيعية لسنين من الاعتماد على غيرهم وعدم تقدير الناس اللي كانت واقفة جنبهم. وفي يوم من الأيام، وإحنا قاعدين بنتعشى أنا ونور، سألتني سؤال بسيط: "بابا... إنت اخترتني ليه؟" ابتسمت وقلت لها: "أنا ما اخترتكيش يا نور... ربنا هو اللي اختارك ليا." ضحكت وقالت: "يبقى أنا محظوظة." وقتها بس عرفت إن كل اللي حصل، بكل وجعه، كان ثمن بسيط قدام إني أحافظ على قلب طفلة تستحق الحب والاحترام. واتعلمت درس عمري ما هنساه: العيلة الحقيقية مش الناس اللي بيجمعك بيهم الدم، العيلة الحقيقية هي الناس اللي لما تبقى ضعيف يحموك، ولما تبقى حزين يسندوك، ولما الدنيا كلها تقفل أبوابها في وشك يفضلوا فاتحين لك قلوبهم. أما نور، الطفلة اللي ناس كتير شافوها غريبة عنهم، فكانت هي أكتر
إنسانة علمتني معنى الأبوة، ومعنى الرحمة، ومعنى إن الإنسان قيمته بأخلاقه وقلبه، مش باسمه ولا أصله ولا أي حاجة تانية.

بعد ما حياتنا هديت شوية، كنت فاكر إن الصفحة اتقفلت وإن كل واحد راح لحاله، لكن الحقيقة إن اللي حصل كان مجرد بداية لحكاية أكبر بكتير. نور بدأت ترجع لطبيعتها يوم ورا يوم. بقيت تضحك من قلبها تاني، وتجري في الشقة وهي بتحكيلي عن المدرسة وصاحباتها، وكل ما أشوفها كده كنت بحمد ربنا إني أخدتها من المكان اللي كان بيكسر روحها من غير ما أحس. لكن رغم كل السعادة اللي رجعت لحياتنا، كان فيه سؤال بيطاردني كل ليلة: إزاي ناس كبار وعقلاء يوصلوا للقسوة دي مع طفلة صغيرة؟ وإزاي أنا فضلت سنين كاملة مش شايف الحقيقة بوضوح؟

في يوم وأنا راجع من الشغل، لقيت نور قاعدة على السفرة بترسم. أول ما دخلت جريت عليا وهي ماسكة الورقة. كانت رسمة بسيطة جدًا، فيها بيت صغير وشمس كبيرة وأنا وهي واقفين قدام البيت ماسكين إيد بعض. لكن اللي شدني كلمة مكتوبة فوق الرسمة بخط أطفال متعوج: "بيتي الآمن". ساعتها حسيت بغصة في قلبي. طفلة في سنها المفروض تكون أكبر همومها لعبة جديدة أو رحلة مدرسة، إنما هي كانت بتفكر في الأمان وكأنه كنز نادر.

حطيت الرسمة في إطار وعلقتها في أوضة المكتب. كل ما أبص لها أفتكر أنا بحارب عشان إيه.

بعدها بأسبوعين تقريبًا، جالي اتصال من رقم أختي شيرين. في الأول تجاهلت المكالمة، لكنها فضلت ترن بشكل متواصل. في الآخر رديت. صوتها كان مختلف عن أي مرة فاتت. مكنش فيه غرور ولا عصبية. كانت بتتكلم بهدوء غريب. قالت إنها عايزة تقابلني ضروري. وافقت على مضض.

لما وصلت الكافيه، لقيتها قاعدة لوحدها. أول ما قعدت قدامها لاحظت إنها باين عليها الإرهاق. فضلت ساكتة شوية وبعدين قالت: "أنا جاية أقولك حاجة يمكن تأخرت فيها سنين."

مردتش.

قالت: "نور عمرها

ما كانت المشكلة."

تم نسخ الرابط