بنت الملجأ

لمحة نيوز

بصيت لها باستغراب.

كملت وهي باصة في الأرض: "إحنا اللي كنا المشكلة."

لأول مرة بدأت تحكي حاجات عمري ما كنت أعرفها. قالت إن أمي من أول يوم سمعت فيه موضوع التبني كانت مقتنعة إن وجود نور تهديد للعيلة كلها. كانت شايفة إن أي حب أو اهتمام هتاخده نور معناه إن بناتها هيخسروا جزء من مكانتهم. الفكرة نفسها كانت غلط، لكن مع الوقت كبرت جوه البيت وبقت حاجة مسمومة. كل كلمة كانت بتتقال قدام الأطفال كانت بتوصل لهم. وكل نظرة احتقار كانوا بيشوفوها للكبار كانت بتنعكس على تصرفاتهم.

قالت وهي دموعها نازلة: "أنا كنت بشوف ومكنتش بتكلم."

الجملة دي فضلت ترن في ودني ساعات طويلة بعد ما رجعت البيت.

أحيانًا أسوأ حاجة مش إن الناس تعمل الغلط... أسوأ حاجة إن الناس تشوف الغلط وتسكت.

مرت شهور تانية، ونور بقت متفوقة جدًا في المدرسة. المدرسات

بقوا بيكلموني باستمرار عشان يشكروا في أخلاقها واجتهادها. وفي نهاية السنة الدراسية أخدت المركز الأول على الفصل كله.

يوم الحفل كنت قاعد في الصف الأول. أول ما نادوا اسمها طلعت على المسرح وهي لابسة فستان أبيض بسيط. كانت مبتسمة بثقة. وأنا كنت حاسس إن قلبي هيخرج من مكانه من الفرحة.

لكن المفاجأة حصلت بعد الحفل.

مديرة المدرسة طلبت تتكلم معايا.

دخلت مكتبها وأنا فاكر إن فيه مشكلة أو إجراء إداري. لكنها قالت حاجة مكنتش متوقعها.

قالت إن فيه رجل أعمال كان حاضر الحفل ضمن الرعاة، ولاحظ تفوق نور وقصتها، وقرر يتكفل بمصاريف تعليمها بالكامل لحد الجامعة.

فضلت مصدوم ثواني.

رجعت أبص لنور اللي كانت واقفة برا المكتب بتضحك مع صاحباتها.

افتكرت اليوم اللي لقيتها فيه واقفة تغسل المواعين وهي بتعيط.

وافتكرت الفرق بين المكانين.

هناك

كانوا بيحاولوا يقنعوها إنها أقل من غيرها.

وهنا الدنيا كلها كانت بتفتح لها أبوابها لأنها أثبتت مين هي فعلًا.

ومع مرور الوقت بدأت تحصل حاجات أغرب.

ناس كتير من العيلة الكبيرة عرفوا اللي حصل. خالات وأعمام وأقارب كانوا بعيدين عن التفاصيل بدأوا يتواصلوا معايا. بعضهم اعتذر عن سكوته. وبعضهم قال إنه عمره ما كان موافق على المعاملة دي لكنه مكنش عارف حجمها الحقيقي.

أما أبويا وأمي، فبقوا أكتر عزلة من أي وقت فات.

مش بسبب الفلوس.

لكن لأن الحقيقة لما ظهرت، ناس كتير فقدت احترامها لهم.

وفي يوم من الأيام، حصل موقف عمري ما هنساه.

كنت أنا ونور في مول بنشتري شوية حاجات للمدرسة.

فجأة سمعت صوت صغير بينادي: "نور!"

لفينا.

كانت جنا بنت شيرين.

كبرت شوية وبقت أهدى بكتير.

جريت على نور ووقفت قدامها متوترة.

وبعدين قالت كلمة محدش

كان متوقعها.

قالت: "أنا آسفة."

نور بصتلها باستغراب.

جنا كملت: "أنا كنت وحشة معاكي زمان."

فضلوا واقفين ثواني ساكتين.

وبعدين نور ابتسمت وقالت: "خلاص."

بالسهولة دي.

من غير انتقام.

من غير شماتة.

من غير ما تفكر ترد الإهانة بإهانة.

ساعتها فهمت إن البنت الصغيرة دي بقت أقوى من ناس كبار كتير.

رجعنا البيت يومها وأنا حاسس بفخر مايتوصفش.

وفي آخر الليل، قبل ما تنام، سألتني نور:

"بابا... لو رجع الزمن بيك، كنت هتختارني تاني؟"

ضحكت.

وقعدت جنبها على السرير.

وقلت:

"لو رجع الزمن ألف مرة... هختارك ألف مرة."

ابتسمت وهي مغمضة عينيها.

وبعد دقائق كانت نامت.

أما أنا فقعدت أبصلها في هدوء.

وفهمت إن بعض الناس بيقيسوا العيلة بالدم.

وبعض الناس بيقيسوها بالاسم.

لكن الحقيقة إن العيلة بتتقاس بالحب والرحمة والمواقف.

والطفلة

اللي دخلت حياتي من سنين وهي خايفة ومكسورة...

بقت النهاردة أقوى وأجمل إنسانة عرفتها في حياتي كلها.

 

تم نسخ الرابط