صرخة يوسف
كانت صرخة يوسف الصغير وسط زحمة سوق الجمعة أشبه بنداء غريق في بحر لا يسمع أحد فيه أحدًا، طفل نحيل لا يتجاوز السابعة من عمره يقف بجوار صندوق حديدي ضخم يصرخ حتى تمزقت حنجرته: "أمي جوة الصندوق.. بالله عليكم أنقذوها"، لكن الناس كانت تمر بجواره كأنها تمر بجوار ظل لا وجود له، بعضهم أشفق عليه للحظة ثم أكمل طريقه، وبعضهم ظنه مجرد طفل يختلق الحكايات لجذب الانتباه، أما إبراهيم الشرقاوي رجل الأعمال المعروف فقد كان أكثرهم قسوة حين تجاهل توسلاته ودخل المقهى تاركًا الطفل وحيدًا، لكنه طوال الليل لم يستطع نسيان تلك العينين المملوءتين بالخوف، وحين عاد في الصباح ومعه الشرطة وانفتح الصندوق بالفعل ووجدوا داخله امرأة مقيدة بالكاد تتنفس، شعر إبراهيم أن الأرض تميد تحت قدميه، فقد كان على وشك أن يتحول إلى شريك في موت إنسانة فقط لأنه لم يصدق طفلًا صغيرًا.
نُقلت المرأة إلى المستشفى في حالة حرجة، وظل يوسف ممسكًا بيدها طوال الطريق وهو يبكي ويردد أنها ستنجو، أما إبراهيم فتكفل بكل شيء من سيارات الإسعاف إلى أفضل الأطباء، ليس فقط لأنه شعر بالذنب، بل لأنه شعر أن مصير هذا الطفل ارتبط بمصيره بطريقة لا يفهمها بعد، وبعد ساعات طويلة من العلاج استعادت المرأة وعيها أخيرًا، وكان أول ما نطقت به اسم ابنها، ثم نظرت حولها برعب وكأنها ما زالت داخل الصندوق، فطمأنها الأطباء حتى هدأت قليلًا، وعندما حضر المأمور رفعت لسؤالها عما حدث قالت كلمات جعلت الجميع يلتزم الصمت: "اللي عمل فيا كده جوزي".
تبادل الحاضرون النظرات في دهشة، فزوجها كان رجل أعمال ثريًا اسمه حسام المنصوري، صاحب مجموعة شركات كبيرة ومعروف بين الناس بسمعته الحسنة وأعماله الخيرية، لكن المرأة التي تدعى منى أكدت أنها لا تكذب، وروت أن زوجها اكتشف مستندات قديمة
بدأت الشرطة التحقيق فورًا، لكن إبراهيم لم يكتفِ بذلك، فقد كان هناك شيء غريب في القصة كلها، وعندما اطلع على بعض الأوراق التي احتفظت بها منى اكتشف اسمًا جعله يتجمد في مكانه، كان اسم والده المختفي منذ أكثر من ثلاثين سنة موجودًا داخل ملفات الميراث، الاسم نفسه الذي ظل يطارده منذ طفولته، الاسم الذي ظن الجميع أنه اختفى بلا أثر، ومن هنا بدأ خيط جديد أخطر بكثير من مجرد جريمة اختطاف.
بحث إبراهيم في الماضي بكل قوته، واستعان بمحامين وخبراء أرشيف وسجلات قديمة حتى اكتشف الحقيقة الصادمة، فقبل عقود كان والده شريكًا لرجل أعمال آخر في مشروع ضخم، لكن الشريك خانه واستولى على كل شيء ثم اختفى والد إبراهيم في ظروف غامضة، وتم إغلاق القضية باعتبارها حادث اختفاء مجهول، ومع مرور السنين نُسيت الحكاية بالكامل، لكن المستندات التي كانت بحوزة منى أثبتت أن والدها كان يحتفظ بنسخ من العقود الأصلية التي تكشف ما حدث فعلًا، وأن الرجل الذي خان والد إبراهيم كان جد حسام المنصوري نفسه.
عندما واجهت الشرطة حسام بالأدلة حاول الإنكار في البداية، ثم بدأ يتخبط في أقواله، وكلما ظهرت وثيقة جديدة ازداد تورطه، حتى تم القبض على عدد من الأشخاص الذين شاركوا في خطف منى، واعترف أحدهم بكل شيء مقابل تخفيف العقوبة، وقال إن حسام أمرهم
اهتز الرأي العام عندما انتشرت تفاصيل القضية، وتحول يوسف الصغير إلى حديث الناس جميعًا، ذلك الطفل الذي لم يستسلم رغم أن الجميع كذبه، أما إبراهيم فكان يشعر كل يوم بثقل الذنب لأنه أضاع ليلة كاملة قبل أن يصدق الصغير، لذلك أصبح يزور يوسف وأمه باستمرار، ومع الوقت نشأت بينهما علاقة قوية، فقد كان الطفل متعلقًا به بشكل غريب، وكان إبراهيم يجد في يوسف شيئًا من نفسه عندما كان صغيرًا.
مرت الشهور، وانتهت المحاكمات بأحكام صارمة ضد كل المتورطين، واستعادت منى حقوقها القانونية وأصبحت في أمان أخيرًا، لكن المفاجأة الأخيرة جاءت عندما اكتمل التحقيق في قضية اختفاء والد إبراهيم القديمة، إذ عثر المحققون على مستندات وشهادات جديدة أثبتت أنه لم يهرب كما كان يعتقد الجميع، بل تعرض لمؤامرة أدت إلى اختفائه قسرًا، وأن الحقيقة ظلت مدفونة لعشرات السنين بسبب نفوذ أشخاص نافذين، وعندما أعلن القرار الرسمي بإعادة الاعتبار لاسم والده شعر إبراهيم للمرة الأولى منذ طفولته أن جرحًا قديمًا بدأ يلتئم.
وفي يوم هادئ بعد انتهاء كل شيء، كان يوسف يجلس في حديقة كبيرة يلعب بالدبدوب القديم نفسه الذي لم يتركه يومًا، بينما كانت أمه تراقبه مبتسمة، وجلس إبراهيم إلى جوارهما ينظر إلى غروب الشمس، فسأله يوسف ببراءة: "لو أنا ما كنتش فضلت أصرخ، كانت ماما هتموت؟" ساد الصمت للحظة ثم أجابه إبراهيم بصوت مبحوح: "أيوه يا يوسف... لكنك ما استسلمتش"، فابتسم الطفل وقال: "عشان
بعد مرور سنة كاملة على انتهاء القضية، كانت حياة يوسف وأمه منى قد تغيرت بشكل كبير، فبعد أيام الخوف والجوع والتشرد أصبحت لهما حياة مستقرة، لكن بعض الجراح لا تلتئم بسهولة مهما مر عليها الوقت. كان يوسف ما زال أحيانًا يستيقظ من نومه مفزوعًا وهو يتخيل أمه محبوسة داخل ذلك الصندوق المظلم، فتسرع منى إلى احتضانه وتطمئنه حتى يهدأ، بينما كان إبراهيم يزورهما باستمرار ويحرص على ألا يشعر الطفل بأنه وحيد في الدنيا.
في أحد الأيام قررت منى أن تعود إلى الشقة القديمة التي كانت تسكن فيها قبل كل ما حدث، ليس لتعيش هناك، بل لتجمع بعض الذكريات والأشياء التي تركتها خلفها. كانت الشقة مغلقة منذ فترة طويلة، والغبار يغطي كل شيء فيها. وبينما كانت تفتح الأدراج القديمة عثرت على صندوق خشبي صغير لم تكن تتذكر وجوده أصلًا. فتحته بحذر فوجدت بداخله صورًا قديمة ورسائل صفراء باهتة كتبها والدها قبل سنوات طويلة.
جلست تقرأ الرسائل واحدة تلو الأخرى، وفجأة توقفت عند رسالة مختلفة تمامًا عن الباقي. كانت مكتوبة بخط والدها المرتجف، وفيها كلمات غريبة جعلت قلبها يخفق بقوة. كان يتحدث عن دفتر مذكرات أخفاه في مكان سري، وكتب أنه يحتوي على أسرار كثيرة تخص أشخاصًا نافذين وأموالًا وأحداثًا لم يكشف عنها لأحد