ندي وطليقها

لمحة نيوز

العربية الجيب السودا الفخمة، اللي تمنها يفك زنقة حارة كاملة، وقفت قدام البيت القديم المبني بالطوب اللبن على أطراف البلد، وفي أقل من دقيقة كان نص الحتة بيبصوا من ورا الستاير بفضول وشغف. ست زي ندى منصور مكنتش بترجع البلد دي غير نادر، ومن يوم ما سابت بيت أهلها وجريت ورا أحلامها في القاهرة وهي بتحاول تقنع نفسها إن الماضي انتهى. كانت دلوقتي واحدة من أشهر سيدات الأعمال في الصعيد، اسمها بيتردد في الجرائد والمؤتمرات، وصورها بتتعلق على أغلفة المجلات الاقتصادية. لكن وهي نازلة من عربيتها الصبح ده، مكانش في ملامح انتصار على وشها، كان في تعب قديم راجع يطاردها من جديد.
بصت للبيت بحزن مكتوم. الحيطان متشققة، والدهان واقع، والباب الخشب متآكل من الزمن. استغربت. هي كانت بتحول لأمها مبلغ كبير كل شهر، مبلغ يكفي إنها تعيش مرتاحة ومعاها خدامة وممرضة ودكتور خاص لو احتاجت. زقت الباب ودخلت وهي بتنادي بصوت عالي أمي... يا أمي! محدش رد. سمعت كحة جاية من الأوضة الداخلية، فاتجهت بسرعة ناحيتها. لكنها أول ما وصلت الباب اتجمدت مكانها.
أحمد.
طليقها.
قاعد جنب السرير بمنتهى الهدوء، ماسك طبق شوربة وبينفخ فيه عشان يبرد قبل ما يقربه من فم الحاجة فاطمة. كان بيهتم بيها بحنان شديد، كأنه ابنها مش مجرد راجل كان في يوم جوز بنتها.

ولما شاف ندى، وقف في هدوء وبص لها نظرة قصيرة كلها مفاجأة وألم.
سألته بحدة إنت بتعمل إيه هنا؟
رد بهدوء الحاجة تعبانة من امبارح، جيت أطمن عليها.
لكن المشهد كله كان بيقول أكتر من كده. ترتيب الدوا، نظافة الأوضة، الملاحظات المكتوبة على الحيطة، البطاطين المغسولة، حتى الأكل اللي ريحته مالية المكان. كل تفصيلة كانت بتقول إن أحمد هو اللي بيرعى أمها من فترة طويلة.
بدأ بينهم كلام قاسي، وانتهى بخروج أحمد من البيت بعدما طردته ندى بكلمات جارحة. وقفت الحاجة فاطمة تبكي وهي شايفاه ماشي بعجلته القديمة وسط التراب، بينما ندى رجعت للأوضة وهي مقتنعة إنها رجعت الأمور لنصابها الصحيح.
لكن الحقيقة كانت مستنياها.
على الكومودينو جنب السرير كانت مرصوصة عشرات الفواتير. فواتير علاج ومستشفيات وتحاليل وأدوية. كلها مدفوعة نقدًا. وكلها باسم شخص واحد أحمد السيد.
ولما سألت أمها بانفعال، قالت لها الجملة اللي قلبت الدنيا كلها أحمد هو اللي شايلني بقاله سنتين يا بنتي... من شقاه وعرقه.
انصدمت ندى. قالت إنها كانت بتحول الفلوس بانتظام. هنا سكتت الأم للحظات، ومدت إيدها المرتعشة ناحية علبة صفيح قديمة مخبية تحت السرير.
فتحت ندى العلبة.
في البداية لقت خطابات قديمة وصور عائلية، وبعدها لقت كشوف تحويلات مطبوعة ورسائل من البنك. كانت كل التحويلات
واصلة بالفعل لحساب خاص أنشأته الشركة باسم رعاية والدتها. لكن بعد فترة معينة بدأت تظهر توقيعات استلام مختلفة. توقيعات مزورة.
كل شهر.
كل سنة.
بمبالغ ضخمة.
وفي آخر العلبة كانت فيه مجموعة أوراق جمعها أحمد بنفسه. تقارير، صور مستندات، وصور لتحويلات مالية. ومعاهم خطاب بخط إيده.
سامحيني إني ما قولتش الحقيقة. كنت مستني أتأكد قبل ما أتهم حد ظلم. الفلوس كانت بتتسرق من جوة شركتك.
قعدت ندى تقلب في الأوراق وهي مش مصدقة. الاسم اللي متكرر في كل المستندات كان اسم شريكها التنفيذي ومديرها المالي، سامح عزمي. الراجل اللي اشتغل معاها سبع سنين كاملة وكانت بتعتبره أخوها.
في اليوم التالي رجعت القاهرة كأنها داخلة حرب. طلبت مراجعة مالية شاملة لكل حسابات الشركة. وبعد أيام بدأت الحقائق تظهر واحدة وراء التانية. ملايين الجنيهات كانت بتتحرك في حسابات فرعية وهمية. جزء منها متسجل كمصاريف رعاية للحاجة فاطمة، لكن عمره ما وصلها.
المصيبة الأكبر إن التحقيقات أثبتت إن السرقة بدأت من بعد طلاقها من أحمد بشهور قليلة. وقتها كانت مشغولة بتوسيع أعمالها وسفراتها ومؤتمراتها، ومحدش كان بيراجع التفاصيل الصغيرة.
واجهت سامح بالأدلة.
في البداية أنكر.
ثم انهار.
واعترف.
اعترف إنه كان بيستغل ثقتها المطلقة فيه. واعترف إنه عرف إن أمها عايشة لوحدها
ومحدش بيتابع وضعها الحقيقي. واعترف إنه سرق مبالغ ضخمة على مدار سنتين كاملتين.
بعد أيام تم القبض عليه، وتحولت القضية للرأي العام. الصحف اللي كانت بتنشر أخبار نجاح ندى بدأت تنشر أخبار الخيانة اللي تعرضت لها.
لكن رغم استرداد جزء كبير من الأموال، كان في حاجة أهم ضاعت.
كرامتها قدام أحمد.
بعد أسبوع رجعت للبلد مرة تانية.
المرة دي من غير حراسة ولا عربية فخمة.
نزلت من عربية عادية، ومشيت تسأل عنه لحد ما وصلت لموقع بناء صغير. كان واقف فوق سقالة، وشه محروق من الشمس، وإيديه مليانة تراب وأسمنت.
فضلت واقفة تبص له شوية.
ولما نزل، بص لها باستغراب.
قالت بصوت مكسور لأول مرة في حياتها أنا جاية أعتذر.
سكت.
كملت وهي دموعها بتنزل ظلمتك. ظلمتك أوي.
رد بهدوء المهم إن الحاجة بخير.
قالت إنت كنت عارف إن الفلوس بتتسرق؟
هز راسه شكيت. لكن مكنتش عايز أقول حاجة من غير دليل.
وليه دفعت من فلوسك؟
ابتسم ابتسامة حزينة لأن أمك كانت زي أمي.
الجملة دي كسرت آخر جزء من كبرياء ندى.
قعدت تبكي لأول مرة من سنين.
ومن يومها بدأت تزور أمها باستمرار. مش بتحول فلوس وبس، لا، بقت تقعد معاها بالساعات. تسمع حكاياتها. تأكل معاها. تمسك إيدها وقت التعب. اكتشفت متأخر إن الرعاية مش أرقام في حساب بنكي، وإن الحب مش شيكات مكتوبة.
أما أحمد، ففضل زي ما
هو. نفس البساطة ونفس الشهامة.
مرت شهور
تم نسخ الرابط