ندي وطليقها
لأنه كان معتبر نفسه فرد من العيلة مهما حصل.
ومع مرور الوقت بدأت الحقيقة تظهر.
الأرض رجعت فعلًا للعيلة بحكم نهائي.
وكانت قيمتها أكبر بكتير مما توقعوا.
لكن المفاجأة الأكبر حصلت بعد كده.
في يوم كانت ندى بتراجع مستندات قديمة خاصة بأبوها، فلقت دفتر ملاحظات شخصي كان مستخبي وسط أوراق مهملة. الدفتر كان مليان بخط والدها. بدأت تقرأ الصفحات واحدة واحدة لحد ما وصلت لصفحة مكتوب فيها
لو حصل لي حاجة، أتمنى بنتي تتعلم إن الإنسان اللي يقف جنبها وقت الشدة أهم من أي نجاح في الدنيا.
وقفت القراءة.
لأن تحت الجملة دي مباشرة كان فيه اسم واحد.
أحمد.
اتسعت عيونها.
وكملت.
اكتشفت إن أبوها كان معجب بأخلاق أحمد من قبل الجواز أصلًا، وكان شايف فيه صفات نادرة. وكان كاتب إنه يتمنى تشوف ندى قيمته الحقيقية يومًا ما.
قفلت الدفتر ودموعها بتنزل.
حست إن أبوها رغم وفاته
وفي الأيام التالية بدأت ندى تتغير بشكل واضح. قللت ظهورها الإعلامي. بقت تقضي وقت أكبر مع أمها ومع أهل البلد. ساهمت في تطوير المدرسة القديمة اللي تعلمت فيها. رممت الوحدة الصحية. ساعدت شباب كتير يفتحوا مشاريع صغيرة.
لكنها كانت بتعمل كل ده بعيد عن الكاميرات.
ولأول مرة في حياتها بدأت تحس براحة حقيقية.
أما الحاجة فاطمة، فكانت سعيدة بشكل مختلف. كانت كل يوم تصحى تلاقي بنتها جنبها وأحمد داخل يطمن عليها، فتقول وهي مبتسمة الحمد لله إني عشت لحد ما شفت الأيام دي.
مرت سنتان.
وفي إحدى الليالي الهادئة، تعبت الحاجة فاطمة فجأة.
نقلوها للمستشفى.
اجتمع حواليها كل الناس اللي حبتهم.
ندى كانت ماسكة إيدها من ناحية.
وأحمد من الناحية التانية.
فتحت الحاجة فاطمة عينيها بصعوبة وبصت ليهم.
ابتسمت.
وقالت بصوت ضعيف دلوقتي بس.
ثم أوصتهم إن يفضلوا سند لبعض مهما حصل.
وبعد أيام قليلة رحلت في هدوء.
كان يومًا حزينًا على البلد كلها.
الناس خرجت تودع الست الطيبة اللي عاشت عمرها تساعد الجميع.
أما ندى، فشعرت وقتها إنها فقدت جزءًا من روحها.
لكنها كانت تعرف إن أمها رحلت وهي مطمئنة.
بعد شهور من الحزن، بدأت الحياة تتحرك من جديد.
وفي كل مرة كانت ندى تفتقد أمها، كانت تروح تقعد تحت شجرة التوت في الحوش القديم، نفس المكان اللي كانت أمها تحب الجلوس فيه.
وفي مرة من المرات، وهي قاعدة هناك، لقت أحمد جايب صندوق خشبي صغير.
فتح الصندوق.
كان جواه رسائل.
عشرات الرسائل.
كتبتها الحاجة فاطمة قبل وفاتها.
رسالة لكل سنة قادمة.
ورسالة لكل مناسبة.
ورسائل خاصة لندى.
كانت الرسائل مليانة نصائح ودعوات وحكايات من الماضي.
قعدت ندى تقراها وتبكي وتضحك في نفس الوقت.
وأدركت وقتها إن الحب
يبقى موجود في الذكريات، وفي الكلمات، وفي الناس اللي علمتنا معنى الوفاء.
ومن يومها بقى البيت القديم، اللي كان زمان شبه مهجور، مليان حياة من جديد. الأطفال بيلعبوا في الحوش، والناس داخلة خارجة، والكل فاكر حكاية الست العجوز اللي جمع حبها بين قلوب اتفرقت سنين طويلة.
أما ندى، فكل ما حد كان يسألها عن أكبر صفقة كسبتها في حياتها، كانت تبتسم وترد أكبر مكسب حققته مش شركة ولا أرض ولا ملايين... أكبر مكسب كان إني عرفت قيمة الناس اللي بتحب بصدق قبل ما يضيعوا مني.
وكان أحمد يسمع الكلام ده أحيانًا ويبتسم في هدوء، لأن الاتنين بقوا عارفين الحقيقة اللي ناس كتير بتكتشفها متأخر إن العمر مهما طال، والمال مهما كتر، مفيش حاجة أغلى من قلب وفيّ يفضل متمسك بيك حتى بعد كل العواصف، ومفيش ثروة في الدنيا كلها تساوي إنك تلاقي إنسان يختارك