قصة بقلم روماني مكرم

لمحة نيوز


فعلًا.
محمود نظر إليه باستغراب.
يوسف موجود.
الحاجة فاطمة موجودة.
الرجل الغريب موجود.
بقي الرابع...
وقبل أن يتكلم، رفع الرجل إصبعه ببطء نحو مروة.
والرابع هي مروة.
تجمد محمود.
مروة؟!
حتى مروة نفسها بدت مصدومة.
أنا؟!
الرجل أومأ برأسه.
ثم قال
عشان كده والدك اختارها من غير ما حد يعرف السبب.
محمود شعر أن رأسه يدور.
اختارها في إيه؟!
الرجل التفت إليه وقال
قبل وفاة أبوك بشهور، كتب رسالة سرية للمحامي. الرسالة فيها اسم الشخص الوحيد اللي يثق فيه لاستكمال الأمانة بعده.
أشار إلى مروة.
وكان اسمها هي.
مروة تراجعت خطوة للخلف.
أنا ماعرفش أي حاجة عن الكلام ده.
يوسف قال بهدوء
يمكن ماكنتيش تعرفي وقتها... لكن واضح إن والد محمود كان شايف حاجة فيكي غير كل الناس.
أخرج المحامي مفتاحًا صغيرًا من حقيبته.
وسلمه لمحمود.
افتح الظرف.
ارتجفت يد محمود وهو يكسر ختم الشمع الأحمر.
أخرج الورقة المطوية.
وفردها ببطء.
وبدأ يقرأ
إذا وصلت هذه الرسالة إلى أيديكم، فاعلموا أن الأمانة ليست أرضًا ولا مالًا ولا ميراثًا...
سكت لحظة.
ثم أكمل وعيناه تتسعان
الأمانة هي مؤسسة خيرية أنشأناها سرًا لمساعدة عشرات الأسر المحتاجة. طوال سنوات كانت تعمل بأموال المشروع الذي أخفيناه. وإذا توقفت، ستضيع حقوق مئات الناس.
الجميع صمت.
لكن محمود لم يكن قد انتهى من القراءة.
بلع ريقه وأكمل
وقد تركت قائمة بأسماء المستفيدين والحسابات والأوقاف داخل الملف الأسود...
نظر الجميع داخل الصندوق.
كان هناك ملف أسود صغير لم يفتحه أحد.
فتحوه بسرعة.
ووجدوا عشرات المستندات.
وكشوفًا مالية.
وأسماء أسر من القرية والقرى المجاورة كانت تتلقى مساعدات منذ أكثر من عشرين سنة.
الحاجة فاطمة انفجرت بالبكاء.
وقالت
الله يرحمك يا أبو محمود... كنت شايل هم الناس حتى بعد موتك.
لكن محمود توقف فجأة عند آخر صفحة.
كانت هناك ملاحظة قصيرة جدًا بخط والده
أما مكافأة من يحافظ على الأمانة ويستمر بها، فهي محفوظة في المكان الذي لا يعرفه إلا شخص واحد.
رفع محمود رأسه.
مين الشخص ده؟
نظر الجميع إلى بعضهم.
ثم وقعت أعينهم على يوسف.
لكن يوسف بدا مصدومًا أكثر منهم.
وقال
والله ما أعرف.
في تلك اللحظة،

انتبهت مروة لشيء صغير داخل غلاف الملف الأسود.
ورقة مطوية بحجم الكف.
أخرجتها ببطء.
وكان مكتوبًا عليها اسم واحد فقط...
الحاجة فاطمة.
فرفعت الحاجة فاطمة يدها المرتجفة نحو الورقة وهي تهمس
لا... دي الرسالة اللي كنت خايفة منها طول عمري...أخذت الحاجة فاطمة الورقة بيدين مرتجفتين.
الكل كان ينظر إليها في صمت.
حتى الهواء بدا وكأنه توقف داخل الأرض الواسعة.
محمود اقترب منها
إيه اللي فيها يا أمي؟
لكنها لم ترد.
ظلت تحدق في الخط المكتوب على الظرف.
الخط الذي تعرفه جيدًا...
خط زوجها الراحل.
ببطء فتحت الورقة.
وما إن وقعت عيناها على أول سطر حتى سالت دموعها.
قال محمود بقلق
قولي يا أمي!
تنهدت فاطمة وبدأت تقرأ
يا فاطمة... لو وصلتي للرسالة دي، يبقى السر خرج أخيرًا للنور.
ارتعش صوتها وهي تكمل
أعرف أنكِ حملتِ الحمل وحدكِ كل هذه السنين، وأعرف أنكِ تحملتِ اللوم والصمت والخوف.
محمود نظر إلى أمه باستغراب.
أما مروة فكانت تتابع كل كلمة باهتمام شديد.
أكملت فاطمة
أما الحقيقة التي أخفيتها عن محمود، فقد حان وقتها.
شحب وجه محمود.
الطفل الموجود في الصورة لم يكن غريبًا عنا...
توقفت فاطمة فجأة.
كأن الكلمات تحولت إلى حجر في حلقها.
صرخ محمود
كملي!
أغمضت عينيها للحظة ثم قالت
ذلك الطفل هو ابن أخي الراحل حسن...
الجميع تنفس الصعداء للحظة.
لكن الرسالة لم تنتهِ.
وبعد وفاة والديه في الحادث، تكفلتُ به سرًا لسنوات طويلة من أموال المشروع حتى يكبر ويقف على قدميه.
يوسف هز رأسه ببطء.
الله يرحمه... ما كانش بيسيب حد محتاج.
لكن فاطمة أكملت القراءة، وفجأة تغيرت ملامحها.
وإذا عاد ذلك الطفل يومًا ليطالب بحقه، فأعطوه الملف الأخضر الموجود في الخزانة الحديدية القديمة.
محمود عقد حاجبيه.
ملف أخضر؟
يوسف رفع رأسه فجأة.
الخزانة القديمة!
مروة التفتت إليه
إنت عارفها؟
قال بسرعة
أيوه... كانت في مخزن المشروع القديم.
هنا ساد الصمت ثانية.
لأن ذلك المخزن كان مغلقًا منذ أكثر من عشرين سنة.
ولا أحد يعرف إن كان ما زال قائمًا أصلًا.
لكن المفاجأة الكبرى كانت في آخر سطر.
قرأت فاطمة بصوت مرتعش
أما إذا كان الطفل قد عاد بالفعل قبل فتح الصندوق... فاعلموا أنه بينكم
الآن.
تجمد الجميع.
محمود نظر إلى يوسف.
يوسف نظر إلى الرجل الغريب.
الرجل الغريب نظر إلى مروة.
ومروة نظرت إلى فاطمة.
ثوانٍ طويلة مرت بلا كلمة.
ثم قال محمود بصوت مخنوق
يعني إيه بيننا الآن؟
وفي اللحظة نفسها، مد الرجل الغريب يده إلى جيبه.
وأخرج صورة قديمة مهترئة.
ووضعها بجوار الصورة الموجودة في الصندوق.
الصورتان كانتا لنفس الطفل.
لكن خلف الصورة الثانية كان مكتوب بخط قديم
إلى ابني العزيز... احتفظ بهذه الصورة حتى يأتي يوم الحقيقة.
عندها فقط ارتجفت يد الرجل.
ورفع عينيه نحو الجميع.
وقال
لأن الطفل ده... أنا.
وانتشر الصمت كالصاعقة بين الحاضرين الصمت خيّم على المكان كله.
محمود كان أول واحد يتكلم
إنت؟!
الرجل هز رأسه ببطء، وعيناه لا تفارقان الصورة القديمة.
أيوه... أنا الطفل اللي في الصورة.
الحاجة فاطمة وضعت يدها على صدرها، وكأن ذكرى قديمة انفتحت فجأة بعد سنين طويلة من الإغلاق.
قالت بصوت متهدج
كنت صغير أوي... آخر مرة شفتك فيها كان عندك سبع سنين.
محمود نظر لأمه في ذهول.
يعني إنتِ تعرفيه؟!
أومأت برأسها.
أعرفه... لكن بعد اللي حصل، انقطعت أخباره تمامًا.
الرجل تنهد وقال
بعد وفاة والديّ، اتنقلت من مكان لمكان. وفي يوم جالي ظرف فيه صورة ورسالة قصيرة من عمك الله يرحمه.
وأخرج الرسالة من محفظته.
كانت قديمة ومهترئة من كثرة ما احتفظ بها.
قرأ منها سطرًا واحدًا
إذا ضاعت الحقيقة يومًا، ابحث عن الشجرة الكبيرة.
نظر الجميع إلى الشجرة الواقفة خلفهم.
الشجرة نفسها التي أخفت الصندوق لعشرات السنين.
لكن فجأة، قال يوسف شيئًا أربك الجميع
استنوا... في حاجة غلط.
التفتوا إليه.
أشار إلى الصور والأوراق المنتشرة فوق الصندوق.
وقال
لو الراجل ده هو الطفل فعلًا، يبقى في مستند مهم جدًا لازم يكون موجود.
بدأ يقلب الملفات بسرعة.
ورقة وراء ورقة.
ثم توقف.
تغير لون وجهه.
مش موجود.
محمود سأله
إيه اللي مش موجود؟
يوسف ابتلع ريقه.
وثيقة نقل الأمانة.
ساد الصمت.
قال الرجل
وثيقة إيه؟
أجاب يوسف
الوثيقة اللي بتحدد مين المسؤول عن إدارة المؤسسة والأوقاف بعد وفاة والد محمود.
مروة عقدت حاجبيها.
يعني من غيرها محدش يقدر يثبت حقه؟
بالضبط.
بدأ التوتر
يرجع من جديد.
بحثوا داخل الصندوق مرة أخرى.
فتشوا كل ملف وكل ظرف.
لكن الوثيقة لم تكن موجودة.
وفجأة...
تذكرت مروة شيئًا.
أخرجت هاتفها.
وفتحت صورة كانت قد التقطتها قبل أيام لورقة قديمة وجدتها داخل الملف الأزرق الأول.
كبرت الصورة.
ثم تجمدت.
يا نهار أبيض...
محمود اقترب منها.
في إيه؟
ناولته الهاتف.
في أسفل الصورة كان مكتوب بخط صغير جدًا
الوثيقة الأصلية محفوظة في المكان الذي بدأت منه الحكاية.
محمود همس
المكان اللي بدأت منه الحكاية؟
أما الحاجة فاطمة، فشحب وجهها فجأة.
وقالت بصوت مرتعش
لا...
نظر إليها الجميع.
إيه يا أمي؟
أغلقت عينيها للحظة.
ثم قالت
المكان ده... بيت جدك القديم.
محمود اتسعت عيناه.
بيت جده كان مهجورًا منذ أكثر من خمسة وعشرين سنة.
لا أحد يدخله.
ولا أحد يعرف ما بداخله.
والأغرب من ذلك...
أن فاطمة كانت ترفض الاقتراب منه طوال هذه السنوات دون أن تشرح السبب.
نظر يوسف إلى البيت البعيد الذي يظهر سقفه بين الأشجار.
ثم قال بهدوء
واضح إن رحلتنا لسه ما خلصتش.
لكن قبل أن يتحرك أحد، سمعوا صوتًا قادمًا من داخل السيارة المتوقفة عند البوابة.
صوت هاتف يرن.
الرجل الغريب نظر إلى الشاشة.
ثم تجمد مكانه.
قال محمود بقلق
مين بيتصل؟
رفع الرجل الهاتف ببطء.
وكان الاسم الظاهر على الشاشة كفيلًا بأن يجعل الدم يتجمد في عروقه...
رقم والد محمود.
مع أن والد محمود متوفى منذ أكثر من عشرين سنة تجمدت الأنفاس.
محمود خطف الهاتف من يد الرجل وهو يحدق في الشاشة غير مصدق.
الاسم واضح أمامه
الحاج عبد الرحمن
اسم والده.
نفس الاسم الذي كان محفوظًا قديمًا في دفاتر العائلة.
الحاجة فاطمة شهقت ووضعت يدها على فمها.
أما يوسف فاقترب بسرعة وقال
رد!
ضغط محمود زر الإجابة ورفع الهاتف إلى أذنه.
لكن بدلًا من صوت إنسان...
سمع تسجيلًا قديمًا.
صوت مشوش، ثم ظهر صوت والده بوضوح.
صوت لم يسمعه منذ أكثر من عشرين سنة.
لو سمعت التسجيل ده، يبقى أنتم قربتم جدًا من الحقيقة.
ارتعش محمود كله.
والحاجة فاطمة بدأت تبكي بصمت.
أكمل التسجيل
اللي بيسمعني دلوقتي لازم يروح بيت أبويا القديم قبل غروب الشمس. لو اتأخرتوا، جزء مهم من الحقيقة هيضيع للأبد.
ثم انقطع التسجيل
فجأة.
نظر الجميع لبعضهم.
وقال الرجل الغريب
التسجيل ده كان مبرمج يشتغل لما أفتح تطبيق معين في التليفون. لقيته من سنين ومفهمتش معناه غير النهارده.
محمود لم ينتظر ثانية.
استقلوا السيارات واتجهوا نحو بيت الجد القديم.
كان البيت يقف وحيدًا على
 

تم نسخ الرابط