بعد ما اتخرجت اهلي سلموا الورث ل أختي
الجزء الأول رداء التخرج الملطخ بنشارة الخشب
كان رداء التخرج الأسود لا يزال يطوق كتفي، وقبعة التخرج الصلبة مستقرة فوق رأسي، يفوح منها عطر قاعات الجامعة التي غادرتها قبل ساعة واحدة فقط. كنت أسير بخطوات يملؤها مزيج غريب من الفخر العارم والإنهاك القاتل نحو الورشة الكبرى ومقر الشركة العائلية مؤسسة رسلان للمصنوعات الخشبية والأثاث الفاخر. الورشة التي قضيت فيها ست سنوات كاملة من عمري، أربط فيها الليل بالنهار، وأتنفس غبار الأخشاب ونشارة السنديان والزان حتى باتت تجري في مجرى دمي. دخلت من الباب الجانبي، متخطياً الماكينات الضخمة التي كانت ساكنة في ذلك المساء، متوجهاً إلى المكتب الخلفي الدافئ حيث يدار كل شيء. كنت أتوقع استقبالاً دافئاً، ربما عناقاً من أبي ينسيني تعب السنين، أو دمعة فخر من أمي وهي تراني أول من يحمل شهادة جامعية في هندسة التصميم وإدارة الإنتاج في العائلة. لكن المشهد الذي استقبلني خلف الباب الزجاجي الضبابي كان مغايراً تماماً لكل التصورات.
فتحت الباب بهدوء، ففوجئت بأبي وأمي وأختي الصغرى نادين والمحاسب القانوني العجوز أستاذ رفعت يجلسون في حلقة نصف دائرية حول مكتب أبي الضخم المصنوع من خشب الماهوجني الأثري. على الطاولة، كانت هناك زجاجة شامبانيا فاخرة مفتوحة وفوارها يتصاعد، وأربع كاسات زجاجية أنيقة متجهزة ومملوءة، وأمام نادين مباشرة يربض ملف جلدي أسود كبير ومكتوب عليه بحروف مذهبة بارزة اتفاقية نقل الملكية الكاملة والتنازل النهائي. ساد صمت مفاجئ بمجرد دخولي، تلاقت الأعين وتكهرب الجو في ثوانٍ.
أختي نادين، التي لم تتجاوز الاثنين والعشرين من عمرها، والتي لم تكن تعرف حتى تلك اللحظة الفرق بين خشب الأبلاكاش وخشب الكونتر، رفعت رأسها ونظرت إليّ بابتسامة المنتصر، ابتسامة باردة تحمل كل معاني التشفي والتعالي، وقالت وهي ترشف من كأسها
مفاجأة! مبروك التخرج يا بشمهندس، جئت في الوقت المناسب تماماً لتشهد ولادة العهد الجديد للشركة.
تصلبت في مكاني، وشعرت بوخزة حادة في صدري. نقلت نظراتي بين الكاسات الأربع والملف، ثم استقرت عيناي على أبي الذي بدا وجهه متيبساً. بصيت لأبويا باستغراب وسألته بنبرة متحشرجة
إيه ده؟ إيه الملف ده وإيه الاحتفال اللي أنا مش معزوم فيه اصلاً؟
أبويا تهرب من عيني فوراً، نظر إلى الأوراق أمامه وتظاهر بتعديل نظارته الطبية، عاجزاً عن مواجهة الرجل الذي شيد هذه الجدران بعرقه. لكن أمي لم تتهرب. كانت دائماً الكتلة الجليدية التي تحرك العائلة بخيوط خفية. شبكت إيديها فوق ركبتيها، وقالت بصوتها الهادئ الرخيم، ذلك الصوت النبرة الذي دايمًا بتستخدمه وهي بتكسر اللي قدامها وتدمر أحلامه من غير ما ترفع صوتها أو تفقد هدوئها الزائف
أختك نادين هتمسك الشركة من بعدنا يا سليم. وقعنا ورق التنازل ونقل الملكية بالكامل ليها اليوم. هي الآن المالك الرسمي والمدير التنفيذي لمؤسسة رسلان.
ضحكت ضحكة قصيرة، ضحكة جافة خرجت من أعماق صدري المصدوم، لأني كنت متأكد في تلك اللحظة إني فهمت غلط، أو أن هذه دعابة سمجة من دعابات أمي لاختبار مدى تحملي. قلت وأنا أشير بيدي نحو نادين
أختي؟ نادين؟ تمسك شركة الإنتاج والتصنيع؟ دي أصلًا ما تعرفش تقرأ جدول الإنتاج اليومي، ولا تعرف إيه الفرق بين التشطيب اللامع والمطفي، دي مدخلتش الورشة دي من خمس سنين عشان خايفة على ضوافرها من التراب!
اختفت الابتسامة من وش نادين فوراً، وتحولت ملامحها إلى العبوس والضغينة. أما أمي فبصتلي ببرود قاتل، برود يجمد الدماء في العروق، وقالت
ما تبقاش حقود يا سليم. الغيرة هتاكل قلبك. إنت شاطر بإيدك... مش بعقلك. نادين عندها الرؤية، وأنت مكانك الطبيعي في الورشة تحت، تدير العمال والماكينات. نادين هي الواجهة اللي بتفهم في لغة العصر.
الجزء الثاني فاتورة التضحية وسنوات العبودية المقنعة
الكلمات دي نزلت عليّا أقسى من أي صفعة على الوجه. شاطر بإيدك.. مش بعقلك؟ هل هذه هي المكافأة؟ ست سنين كاملة من عمري وأنا بشتغل أكتر من ستين ساعة في الأسبوع من غير مرتب حقيقي، مجرد مصروف يدوي بسيط لا يكفي شاباً في عمري، كنت بصنع الطلبات المعقدة بنفسي، وأقضي الليالي بطولها أمام المصاهر والمناشير، وأحل مشاكل العملاء الغاضبين، وأدرّب الموظفين والفنيين الجدد على أسرار الصنعة، وأرد على الإيميلات والطلبات في نص الليل وأنا على فراش التعب، لأن أبويا كان دايمًا يطبطب على كتفي ويقولي بلهجته الأبوية الخادعة إحنا عيلة يا سليم، وكلنا لازم نشيل بعض، والشركة دي في النهاية بتاعتك واسمك، وتعبك مش هيروح للأغراب.
بسبب هذه العبارة إحنا عيلة، أجلت دراستي الجامعية مرتين متتاليتين بناءً على توسلات أبي لإنقاذ الشركة وقت الأزمات المالية الخانقة، ووقت الإضرابات التي قادها العمال القدامى والذين لم يحتويهم أحد سواي. عشت سنوات أربط حزام بطني، وأتحمل الإهانة وضغط السوق، وبعدها لما استقرت الأمور قليلاً، كملت تعليمي بالليل في الكلية، أخرج من الورشة ملطخاً بالزيوت لأجلس على مقاعد الدراسة، وأنا في نفس الوقت الذي تقريبًا كنت شايل فيه الشغل كله على كتافي من ألفه إلى يائه، بينما أبي يكتفي بالجلوس في المكتب لقراءة الصحف، وأمي تراقب الحسابات لتوفير رحلات السفر لنادين.
في المقابل، أختي نادين كانت طول الوقت عايشة على السوشيال ميديا، تتنقل من منصة إلى أخرى، تنفق من أموال الورشة على ملابسها ورحلاتها مع صديقاتها، وكانت دايمًا بتسخر من الشغل في الورشة قدام الجميع وبتقول إنه مكان مقرف كله تراب ونشارة خشب وريحة غراء، وتستحي أن تقول لزملائها في الجامعة إن أهملها يملكون ورشة نجارة، بل كانت تدعي أنهم مستثمرون في قطاع الديكور. والآن، هذه الورشة المقرفة أصبحت ملكها بجرّة قلم!
ساعتها أبويا أخيرًا اتكلم، بعد ما حس بالذنب ينهش صمته، لكن كلامه جاء ليجهز على ما تبقى من احترامي له
يا سليم، أنا وأمك شايفين إن أختك نادين عندها الشكل والصورة اللي تقدر تطور اسم الشركة في السوق وتعمل براند مودرن. السوق اتغير، ومبقاش محتاج صنايعية في المكاتب، محتاج واجهة تفتح أبواب المعارض الكبيرة.
بصيتله غير مصدق، وعقلي يكاد ينفجر من شدة الذهول
الشكل؟ الصورة؟ هي دي المقاييس اللي بتحددوا بيها مين اللي تعب وشقى ومين اللي ياخد الجمل بما حمل؟
أمي هزت راسها بتأكيد بارد وهي ترشف من كاسها
طبعاً. العملاء الكبار والمهندسين بتوع الديكور بيحبوا الناس اللي شكلها شيك ومرتبة وبتعرف تتكلم لغات وتعمل بريزنتيشن على الآيباد. إنت يا سليم، بطبيعتك، ابن ورشة، لبسك دايمًا متبهدل ويدك خشنة ومبتعرفش تجامل. نادين هتدير من فوق، وإنت هتفضل الساعد الأيمن ليها في التنفيذ. مفيش حاجة هتتغير في وضعك.
الجزء الثالث إعلان العصيان ونزع القبعة
نظرت إلى إيديا الخشنة، المتشققة، التي تملؤها الجروح الصغيرة والندوب الناتجة عن شفرات القطع ومطارق التشكيل. لسه آثار النشارة والخشب الناعم عالقة تحت أظافري وبين مسام جلدي من الليلة اللي سبقت آخر امتحان ليا في الجامعة، حيث قضيت الفجر كاملاً أقف على رجلي لأشرف على تسليم شحنة غرف النوم الفندقية لعميلنا الأكبر. قارنت يدي بيدي نادين الناعمتين المطليتين بأحدث صيحات المناكير، واللتين لم تحملا يوماً