بعد ما اتخرجت اهلي سلموا الورث ل أختي
المحتويات
شيئاً أثقل من هاتف الآيفون الخاص بها.
سكت لحظة... سكوناً تاماً كالسكون الذي يسبق العاصفة المدمرة. هدأت دقات قلبي المتسارعة، وحلت مكانها برودة وثقة عجيبة. أدركت في تلك الثانية أن طاعتي الأعمى وخضوعي لابتزاز العائلة كان الخطأ الأكبر في حياتي، وأن المرء لا ينال احترامه بتقديم التضحيات لمن لا يقدرها، بل بفرض حدود قوته.
وبعكس ما توقعوا من صراخ أو بكاء أو تحطيم للأثاث، انحنيت ببطء، وقلعت قبعة التخرج السوداء من فوق رأسي، وحطيتها بكل هدوء وثبات على مكتب أبويا، مباشرة فوق عقد التنازل الملعون الذي وقعوه.
عندك حق.
قلت الجملة دي بنبرة هادئة جداً، نبرة خالية من أي انفعال، لكنها كانت تحمل وزناً جعل المحاسب العجوز يرتجف في مقعده.
تابعت وأنا أنظر في عيون أمي مباشرة
أنا فعلًا خلاص... مش هستخدم إيديا هنا تاني. ولا عقلي. ولا وجودي كله. الورشة دي من اللحظة دي ماتت بالنسبة لي.
أبويا عقد حواجبه بضيق وقفز من مقعده قائلاً بنبرة غاضبة يحاول فيها استعادة سلطته الأبوية
بلاش دراما يا سليم! إنت كبرت على الحركات دي. إحنا لسه محتاجينك في الإنتاج، ومفيش وقت للزعل، عندنا تسليم شحنة ضخمة الأسبوع الجاي لشركة المهندس طارق شاهين. اقعد واشرب معانا وركز في شغلك.
هزيت راسي بالنفي وأنا أتراجع خطوتين نحو الخلف
لأ يا بابا... كنتوا محتاجيني قبل ما تسرقوا تعبي وشقا سنيني وتدوه لغيري على طبق من فضة. كنتوا محتاجيني لما كنت بنام تحت الماكينات عشان الشغل يخلص. دلوقتي، نادين بشكلها وصورتها الشيك هي اللي هتخلص لكم شحنة طارق شاهين. خلوا الآيباد بتاعها يصنع الكراسي والمطابخ.
لفّيت ومشيت ناحية الباب بخطوات واسعة وثابتة، شعرت برداء التخرج الأسود كأنه درع يحميني من سهام غدرهم. وأنا بفتح الباب وبخرج للممر الخارجي، سمعت صوت أمي الحاد ينادي ورايا بثقة مفرطة وغطرسة معتادة
سليم! بلاش طيش. هترجع يوم الإثنين، زي كل مرة بتزعل فيها وترجع لأنك مالكش مكان تاني تروح فيه ولا قرش أبيض في جيبك!
لكن المرة دي... ما رجعتش.
الجزء الرابع الأيام العشرة وولادة فينكس من تحت الرماد
لم يكن خروجي مجرد غضبة عابرة، بل كان انتحاراً للمواطن القديم وولادة لرجل جديد. في نفس الليلة، جمعت ملابسي القليلة من غرفتي في منزلهم، وغادرت إلى شقة صغيرة متهالكة في أطراف المدينة كنت قد استأجرتها سراً قبل شهر بمساعدة صديق عمري المهندس كريم، ترقباً لأي غدر قد يحدث بعد التخرج، وإن كنت لم أتوقع أن يكون الغدر بهذا الحجم الكارثي.
لم أضيع دقيقة واحدة في البكاء على اللبن المسكوب. طوال السنوات الست الماضية، لم أكن مجرد عامل، كنت المهندس الفعلي الذي بنى علاقات مباشرة وثقة حديدية مع الموردين ومع كبار مصممي الديكور في البلد. كانوا يعرفون أن كلمة سليم رسلان هي الضمان الحقيقي للجودة والتوقيت، وأن أبي لم يكن سوى واجهة لجمع الأموال.
في اليوم الثاني مباشرة، قمت بتأسيس شركتي الخاصة تحت اسم فينكس للتصميم والأثاث المتقدم. لم يكن لدي رأس مال ضخم، لكني كنت أمتلك ما هو أثمن ثقة السوق، ودفتر تليفوناتي الذي يحتوي على الأرقام الخاصة بأكبر مهندسي الديكور والمقاولات. اتصلت بكريم الذي كان يعمل في مكتب استشارات هندسية كبير، وقلت له أنا بره مؤسسة رسلان. أنا بدأت لوحدي. رد عليّ فوراً وبدون تردد أخيراً فوقت يا سليم! السوق كله كان مستغرب إزاي واحد بعبقريتك وتصميماتك سايب أبوه وأمه ينسبوا كل الشغل ليهم. أنا معاك والمكتب عندي محتاج تصميمات لفيلا ضخمة في التجمع، والعميل عايز جودة سليم رسلان، مش اسم رسلان.
استأجرت ورشة صغيرة جداً في منطقة صناعية، واشتريت بالتقسيط ماكينتين أساسيتين فقط، واستعنت بثلاثة من العمال المهرة الذين استقالوا من ورشة أبي فور سماعهم بخبري، لأنهم رفضوا أن تطأ نادين بأحذيتها المذهبة أماكن عملهم الشاقة وتملي عليهم الأوامر. كنا نعمل بجدية مطلقة، وبدأت في تصميم وتنفيذ قطع أثاث فريدة، تعتمد على دمج التكنولوجيا الحديثة مع الأخشاب الطبيعية، وهو الأمر الذي كان أبي يرفضه دائماً معتبراً إياه مصاريف ملهاش لزمة.
مرت عشرة أيام كاملة من العمل المتواصل الذي لم أذق فيه طعم النوم سوى ساعات قليلة، لكنها كانت ساعات نوم مريحة، خالية من شعور القهر والعبودية. وفي صباح اليوم الحادي عشر، وتحديداً في الساعة العاشرة صباحاً، وبينما كنت أراجع تفاصيل تصميم طاولة مؤتمرات ذكية، موبايلي رن.
نظرت إلى الشاشة، فإذا هو المتصل الذي لم يتوقع أن يسمع صوتي مجدداً بهذه السرعة.
كان أبويا.
لم يكن صوته تلك المرة يحمل النبرة الآمرة أو الواثقة. كان صوته متوتر بشكل فاضح، ونَفَسه متلخبط ومتقطع، وكأن مصيبة حلت فوق رأسه.
سليم... إنت فين يا ابني؟ الحقني... أكبر عميل عندنا، المهندس طارق شاهين، لسه خارج من عندي حالا وفسخ التعاقد وطلب سحب العربون اللي قيمته اتنين مليون جنيه! الشحنة جاهزة في المخازن وهو رفض يستلمها وقال إنها متطابقش المواصفات! الورشة هتفلس يا سليم لو الفلوس دي رجعت!
بصيت لشاشة الموبايل، وتنهدت ببطء، وسكت ثواني كاملة لكي أترك لصوت دقات قلبه المتسارعة مساحة لتدرك حجم الهاوية التي يقفون عليها. وبعدين ابتسمت ابتسامة عريضة نبعت من قاع روحي التي استردت كرامتها، وقلت بلهجة باردة ومستقرة
لأ يا بابا... إنت فاهم غلط خالص. العميل ما سابكوش فجأة ولا هرب بسبب نادين. العميل اختار ييجي ورايا أنا.
تصلب أبي على الطرف الآخر وسأل بصدمة
يعني إيه ييجي وراك إنت؟ إنت عملت إيه من ورا ظهرنا يا خاين؟
قلت له
أنا مالمستش شغلك يا بابا. لكن المهندس طارق شاهين لما جه يستلم الشحنة، سأل عن المهندس اللي صمم ونفذ وأشرف على التفاصيل وعالج عيوب الخشب بالراتنج الذكي، فنادين طلعت له بشكلها الشيك وصورتها المرتبة وقالت له أنا المديرة والمالكة الجديدة وأخويا مجرد صنايعي ومشي. طارق شاهين مهندس عبقري وبيفهم، نظر للشغل ولقى إن اللمسات الأخيرة والتشطيب اللي أنا بعمله بنفسي مش موجود، لأن العمال الجداد اللي نادين مشغلهم بوظوا دهان الأستر. طارق عرف إن روح الشغل مشيت، والبيزنس الحقيقي مش جدران ورشة، البيزنس هو أنا. وهو لسه مكلمني من نص ساعة، وممضي معايا عقد جديد تماماً لفرش ثلاث أبراج سكنية كاملة لحساب شركته!
وساعتها... بدأ كل شيء ينهار في مؤسسة رسلان.
الجزء الخامس السقوط الحر لمملكة الورق
لم يكن فسخ عقد طارق شاهين سوى أول أحجار الدومينو التي تهاوت. في الأسابيع التالية، تحولت ورشة أبي إلى جحيم مستعر. نادين، التي ظنت أن إدارة شركة تصنيع أثاث تتطلب فقط تنسيق الألوان على إنستغرام والتقاط الصور بجانب المكاتب الفاخرة، وجدت نفسها في مواجهة مطالبات مالية، وشكاوى من العملاء، وموردين يرفضون توريد خشب التك والماهوجني بالآجل كما كانوا يفعلون معي.
الموردون الكبار كانوا يتعاملون مع سليم الذي يلتزم بكلمته ويحمي مصالحهم، أما نادين فكانت تعاملهم بفوقية وتعالٍ، وتتأخر في دفع الشيكات بدعوى أنها مشغولة في جلسات تصوير الدعاية. وخلال شهر واحد، امتنع أكبر ثلاثة موردين للأخشاب في السوق عن تزويد الورشة بالمواد الخام إلا
متابعة القراءة