بعد ما اتخرجت اهلي سلموا الورث ل أختي

لمحة نيوز

بعد الدفع النقدي المسبق، وهو ما لم تكن المؤسسة قادرة عليه بعد سحب طارق شاهين لعربونه الضخم.
حاولت أمي التدخل، نزلت بنفسها إلى الورشة وأجبرت نادين على الجلوس مع العمال، لكن النتيجة كانت كارثية. نادين صرخت في وجه الأسطى حسن أقدم وأقوى صنايعي في الورشة والرجل الذي علمني أساسيات المهنة وقالت له أمام الجميع إنت مجرد عامل هنا، وتنفذ اللي بقوله من غير نقاش، الخشب ده يتدهن كدا وخلاص مش هقعد أصرف آلاف على مواد عزل الرطوبة!. في نفس اليوم، جمع الأسطى حسن وبقية العمال المهرة عِددَهم وأدواتهم، وقدموا استقالة جماعية مسببة، وتوجهوا مباشرة إلى ورشتي الجديدة فينكس التي كانت تكبر يومًا بعد يوم.
بدأت الماكينات في مؤسسة رسلان تصدأ، والغبار يتراكم ليس كنشارة خشب تدل على العمل، بل كدليل على الهجر والموت المهني. الشحنات التي تم تسليمها لبعض العملاء الصغار عادت محملة بالعيوب القاتلة؛ كراسي تتأرجح، طاولات تقشر دهانها بعد أسبوع، ومطابخ لا تطابق المقاسات الهندسية المعتمدة في الرسومات. انهالت الدعاوى القضائية على أبي، وبدأت شيكات الشركات والضرائب تعود من البنوك لعدم كفاية الرصيد.
وفي المقابل، كانت فينكس تحلق عاليًا في السماء. بفضل العقد الضخم الذي وقعته مع المهندس طارق شاهين، تمكنت من الانتقال من الورشتين الصغيرتين إلى مصنع حقيقي بمساحة ألف ومائتي متر في المنطقة الاستثمارية. لم نعد ننتج أثاثاً تقليدياً؛ أدخلت خطوط إنتاج تعتمد على التصميم الرقمي ثلاثي الأبعاد والقطع بالكمبيوتر CNC، مدمجة مع اللمسة اليدوية المصرية الأصيلة التي يبرع فيها رجالي. أصبح اسم سليم رسلان مرادفاً ل مستقبل صناعة الأثاث في الشرق الأوسط.
الجزء السادس ليلة الانكسار والمساومة الأخيرة
في ليلة شاتية عاصفة، وبعد مرور ثمانية أشهر على خروجي من قوقعة الظلم، كنت أجلس في مكتبي الفخم ذو الواجهة الزجاجية المطلة على صالة الإنتاج المضيئة في مصنعي الجديد. كنت أراجع الميزانية الربع سنوية التي أظهرت أرباحاً تخطت كل التوقعات، عندما طرق سكرتيري الباب بوجه شاحب وقال بنبرة مرتبكة
بشمهندس سليم... هناك رجل وسيدة في الخارج يصران على مقابلتك بدون موعد سابق. السيدة تقول إنها والدتك، والرجل يبدو متعباً جداً.
تنهدت بعمق، وضعت القلم من يدي، وعرفت أن لحظة الحساب والمواجهة الأخيرة قد حانت. تذكرت كلمات أمي في ليلة تخرجي هترجع يوم الإثنين لأنك مالكش مكان تاني. والآن، هم من يطرقون بابي في ليلة الثلاثاء.
ادخلهم يا سمير، وأحضر لهم قهوة ساخنة فوراً.
انفتح الباب، ودخل أبي وأمي. لم يكونوا بتلك الهيئة التي فارقتهم عليها. أبي كان يبدو أكبر بعشر سنوات، يمشي بخطوات مرتعشة مستنداً على عصا خشبية، ووجهه يحمل علامات هزيمة منكرة. أما أمي، فقد اختفت من عينيها تلك النظرة الباردة المستعلية، وحل محلها انكسار وتوجس واضحان. لم تكن نادين معهما؛ علمت لاحقاً أنها سافرت إلى الخارج هرباً من الفضيحة والملاحقات القضائية بعد أن تركت الشركة غارقة في ديون تتجاوز العشرة ملايين جنيه.
جلسا على الأرائك الجلدية الفاخرة في مكتبي بصمت ثقيل. نظرت إليهما، وشعرت بمزيج من الشفقة والأسى، لكن دون ذرة واحدة من الندم أو الرغبة في التراجع. بادرت بالقول بنبرة هادئة ومحترمة
أهلاً يا بابا.. أهلاً يا أمي. نورتوا مصنع فينكس. خير، إيه الزيارة المفاجئة دي؟
أبويا نظر إلى الأرض، ولم يستطع الكلام، فبدأت أمي بالحديث، وحاولت جاهدة أن تستعيد نبرتها الهادئة القديمة، لكن صوتها خانها وخرج مرتعشاً ومتهدجاً
سليم... إحنا جايين لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. إحنا لحمنا ودمك يا ابني، ومهما حصل إحنا عيلة واحدة. الورشة الكبيرة والاسم اللي بناه أبوك وجدك هيتباعوا في المزاد العلني الأسبوع الجاي لتسديد الديون لو مأتدخلتش. البنوك رافعة علينا قضايا حجر، وأبوك صحته تدهورت وجاءت له جلطة خفيفة بسبب الضغط والهم.
نظرت إليها وقلت بروية
إحنا عيلة وكلنا لازم نشيل بعض... مش دي الكلمة اللي كنتوا بتقولوها ليا لما كنت بشتغل 60 ساعة في الأسبوع من غير مرتب؟ لما كنت بنام على الأرض في نشارة الخشب عشان نادين تسافر تصيف في أوروبا؟ فين نادين دلوقتي؟ فين الشكل والصورة الشيك اللي العملاء بيحبوها؟ ليه منقذتش اسم رسلان؟
أمي نزلت دموعها لأول مرة أراها فيها تبكي، وقالت بتوسل
نادين خذلتنا وسابت البلد ومشيت... إحنا غلطنا يا سليم. اعترفنا بغلطنا. أنا جيت أطلب منك ترجع تاخد المؤسسة بالكامل، نادين كتبت تنازل رسمي ليك عن كل الأسهم، ارجع ودير المكان وسدد الديون من أرباح مصنعك ده، ورجّع اسم عيلتك للسوق. إنت ابننا البكر والشاطر اللي بعقله وبإيده شالنا طول عمره.
الجزء السابع شروط الفينكس وحكم الاستحقاق
قمت من خلف مكتبي، ومشيت ببطء نحو النافذة الزجاجية الكبيرة، نظرت إلى العمال والماكينات الحديثة في مصنعي، ثم التفت إليهم وقلت بصوت حاسم كشفرة الساطور
أنا مش هرجع لمؤسسة رسلان يا أمي. مؤسسة رسلان ماتت وانتهت يوم ما قررتوا تبيعوا جهدي وعرقي لقمة سائغة لشخص ملوش أي حق. أنا مش هشتري شركة ميتة وغارقة في الديون والسمعة السيئة عشان أرضي غرور عائلي دمرني زمان.
أبويا رفع رأسه وبكى بصوت مسموع
يعني هيرمونا في السجن يا سليم؟ هترضى أبوك وأمك يتبهدلوا في المحاكم في آخر أيامهم؟
اقتربت منه، وانحنيت وقبلت يده ورأسه، فرغم كل شيء يظل أبي، وقلت له بنبرة دافئة لكنها صارمة
لأ يا بابا.. أنا مش هسمح لده يحصل أبداً. أنا هشتري الورشة القديمة والأرض والمعدات من المزاد العلني باسم شركتي فينكس، بالثمن اللي يغطي كل ديونكم بالكامل ويزيد. الديون هتتسدد، والقضايا هتتقفل، وهخصص لكم مرتب شهري فخم من شركتي يضمن لكم عيشة كريمة وفيلا مريحة تعيشوا فيها بعيد عن هموم الشغل ومشاكله. لكن... عندي شروط واضحة ومفيش فيها نقاش.
أمي رفعت رأسها بسرعة وقالت بنبرة ملهوفة
إيه هي الشروط يا سليم؟ موافقين على أي حاجة!
قلت وعيني مثبتة في عينيها
الشرط الأول اسم رسلان للمصنوعات الخشبية يتم شطبه تماماً من السجل التجاري، الورشة القديمة هتتحول لفرع تدريب وصيانة تابع ل فينكس، واللوحة اللي هترتفع على الجدار هيكون عليها اسم سليم رسلان لوحده، كصاحب ومؤسس ل فينكس.
الشرط الثاني نادين لما ترجع، ملهاش حق تقرب من أي مكان يخص شغلي، ولا ليها مليم واحد عندي، ولو حابة تشتغل، تدور على شغل بشكلها وصورتها في مكان تاني خالص بعيد عني.
الشرط الثالث والأهم إنتوا الاتنين، تقعدوا في البيت، وتنسوا تماماً إني كنت في يوم من الأيام شاطر بإيدي مش بعقلي. عقلي ده هو اللي حماكم النهارده من السجن، وهو اللي بنى الإمبراطورية دي من صفر جنيه في تمن شهور.
أمي نكست رأسها بوجع وخجل شديدين، وأومأت بالموافقة دون أن تنطق بكلمة. أما أبي، فقد تنفس الصعداء وأمسك بيدي وضغط عليها بقوة وهو يقول
موافق يا ابني... موافق وزيادة. ربنا يحميك ويبارك فيك، إنت الراجل الحقيقي اللي صان العيلة رغم إن العيلة صغرت في حقه.
الجزء الثامن صخب الآلات في مملكة الفينكس الجديدة
بعد توقيع العقود الرسمية وتصفية كافة ديون مؤسسة رسلان القديمة، دخلت الورشة
تم نسخ الرابط