بعد ما اتخرجت اهلي سلموا الورث ل أختي
القديمة لأول مرة منذ ليلة التخرج. كان المكان مظلماً، تفوح منه رائحة الرطوبة والإهمال، والماكينات التي كنت أعتني بها كأولادي كساها الصدأ والغبار. وقفت في منتصف الصالة الكبرى، وتذكرت كل قطرة عرق سقطت مني هنا، وكل كلمة إهانة أو تقليل من شأني سمعتها بين هذه الجدران.
لم يدم حزني طويلاً. أشرت بيدي للعمال المهندسين والعمال المهرة الذين أحضرتهم معي من مصنعي الرئيسي، وصرخت فيهم بهمة وعزيمة
يلا يا رجالة! هدم كامل للمكاتب القديمة، تنظيف شامل، صيانة وإعادة تأهيل للماكينات اللي ينفع تشتغل، وتجهيز الصالة الكبرى لتكون أكاديمية فينكس لتعليم فنون النجارة والتصميم الرقمي. المكان ده اللي خرجت منه مهزوم ومكسور، هيخرج منه آلاف الشباب المتعلمين اللي هيغيروا مفهوم الصنعة في البلد كلها!
انطلق صخب الآلات والمطارق مجدداً، لكن هذه المرة لم يكن صخب عبودية، بل كان سيمفونية بناء وتطوير. تحول المكتب الخلفي، الذي شهد توقيع عقد الغدر القديم، إلى غرفة تحكم إلكترونية مجهزة بأحدث شاشات العرض وأجهزة الحواسيب الفائقة لتصميم الأثاث ثلاثي الأبعاد. قمت بوضع قبعة التخرج السوداء القديمة، التي تركتها ذات يوم على مكتب أبي، داخل صندوق زجاجي فاخر وعلقته على المدخل الرئيسي للأكاديمية، وتحته لافتة نحاسية صغيرة مكتوب عليها العقل يصمم، واليد تنفذ، والإرادة تصنع المعجزات. هنا بدأت الحكاية، وهنا تحققت العدالة.
تطورت فينكس بسرعة صاروخية خلال العامين التاليين. لم نعد نغطي السوق المحلي فحسب، بل بدأت عقود التصدير تنهال علينا من دول الخليج وأوروبا. أصبح الأثاث الذكي الذي ننتجه، والذي يدمج بين الفخامة الكلاسيكية والحلول التكنولوجية للمساحات الضيقة، الحصان الرابح في معارض دبي وميلانو الدولية للأثاث. وكنت أنا، سليم رسلان، الشخص الذي قيل له يوماً إنه لا يصلح ليكون واجهة، المتحدث الرئيسي في مؤتمر الشرق الأوسط للتصميم والصناعات المتقدمة، أقف بكامل أناقتي وبدلتي الرسمية الفاخرة أمام آلاف المستثمرين والمصممين، وبجانبي يعرض الآيباد الخاص بي طفرات الإنتاج والأرباح الإعجازية لشركتي.
الجزء التاسع عودة الطيور المهاجرة وانكشاف الحقيقة
في أحد أيام الصيف القائظ، وبينما كنت أستعد للسفر إلى إيطاليا لحضور معرض ميلانو الدولي للأثاث الفاخر كرئيس لوفد المصنعين المصريين، تلقيت اتصالاً من حارس الأمن بالشركة يخبرني بأن هناك شابة في حالة رثة جداً تقف عند البوابة الخارجية وتدعي أنها أختي نادين، وتطالب بمقابلتي فوراً ومستعدة لعمل فضيحة إن لم تدخل.
ضحكت بسخرية، وقلت له
دخلها يا مصطفى، هاتها على مكتبي فوراً.
بعد دقائق، دخلت نادين. لم تكن تلك الفتاة المتغطرسة التي ترتدي الماركات العالمية ويسكن الغرور عينيها. كانت تبدو شاحبة، ترتدي ملابس عادية جداً وبسيطة، وعلامات الإنهاك والانكسار بادية على ملامحها بالكامل بعد سنتين من التنقل في وظائف صغيرة ومهينة في بعض دول الخارج لتأمين لقمة عيشها بعد أن تبرأ الجميع منها وضاعت أموالها في تسوية بعض القضايا الشخصية.
وقفت أمام مكتبي الضخم، نظرت إلى الفخامة التي تحيط بي، وإلى الشاشات التي تعرض خطوط إنتاج مصانعي، ثم نظرت إليّ وقالت بنبرة باكية ومكسورة
سليم... أنا أسفة. أنا عرفت قيمتك متأخر جداً. بابا وماما حكوا لي على كل اللي عملته معاهم، وإزاي أنقذتهم من السجن والبهدلة. أنا جيت أطلب منك تسامحني، وتديني فرصة تانية هنا في شركتك الكبيرة دي. أنا تبهدلت في الغربة وتعبت، ومبقاش ليا حد غيرك.
نظرت إليها بهدوء، ولم أشعر بأي رغبة في الانتقام، فالأيام قد قامت بواجبي وزيادة في تأديبها وإظهار الحق. قلت لها بنبرة مستقرة وخالية من المشاعر
أنا مسامحك يا نادين كأخت، والبيوت اللي أنا مشتريها لبابا وماما مفتوحة ليكي تعيشي معاهم وتخدميهم وتعوضيهم عن الجلطة والهم اللي سببتيه ليهم بسبب طمعك وغرورك. لكن... شغل عندي في فينكس مفيش.
بكت بحرقة وقالت
ليه يا سليم؟ أنا عندي شهادة تسويق وبعرف أتكلم وأتعامل مع العملاء الكبار، وإنت مصنعك دلوقتي محتاج واجهة شيك وشكل مرتب زي ما ماما كانت بتقول!
وقفت، وعدلت جاكيت بدلتي الإيطالية الفاخرة، ونظرت إليها بثقة هزت كيانها
الواجهة الشيك والشكل المرتب يا نادين مبقوش هما اللي بيجيبوا الشغل في زمن الاحتراف. السوق مبقاش بيشتري المظاهر الفارغة. السوق بيشتري العقل اللي ورا المظهر، بيشتري الخبرة والجودة والالتزام والدم اللي بيسيل على الخشب عشان القطعة تطلع لوحة فنية. أنا بقيت الواجهة وبقيت العقل وبقيت الإيد لشركتي. تقدري تروحي تعيشي مع بابا وماما، وتدوري على وظيفة في أي شركة تانية في السوق تقبلك، وبمرورك بالإنترفيو زي أي حد عادي. هنا، مفيش مكان للمظاهر... هنا مكان للأبطال اللي بيشتغلوا بجد.
خرجت نادين من مكتبي تجر أذيال انكسارها، وأغلقت الباب وراءها، لتغلق معها آخر صفحة من صفحات الماضي المظلم.
الجزء العاشر قمة الجبل وابتسامة المنتصر الصادق
جاء يوم افتتاح مجمع فينكس الصناعي المتكامل، وهو أضخم صرح لصناعة وتصميم الأثاث في المنطقة بأسرها. كان الحدث تحت رعاية رئيس الوزراء ووزير الصناعة، وحضره حشد مهيب من كبار رجال الأعمال، المقاولين، ومهندسي الديكور من كافة أنحاء العالم. كانت القنوات الإخبارية والصحف تغطي الحدث بث مباشر، والمكان يتلألأ بالأضواء والموسيقى الراقية والقطع الفنية الخشبية التي أبهرت الحاضرين بنظام إضاءتها الذكي وتصميماتها الانسيابية غير المسبوقة.
كنت أقف في قلب الصالة الكبرى، محاطاً برجالي؛ الأسطى حسن، والمهندس كريم، ومئات العمال والمهندسين الذين يرتدون زي الشرف الموحد لشركة فينكس. وفي الصفوف الأولى من المدعوين، كان يجلس أبي وأمي على مقاعد كبار الشخصيات، يرتدون ملابس راقية وفرتها لهم، وعيونهم تفيض بدموع الفخر والندم والامتنان الشديد. كانوا ينظرون إليّ وكأنهم يرون بطلاً خارقاً لم يستوعبوا وجوده بينهم يوماً.
تقدمت مني المذيعة الرئيسية لأكبر قناة اقتصادية عربية، ووجهت إليّ الميكروفون قائلة بابتسامة إعجاب
بشمهندس سليم رسلان، رئيس مجلس إدارة ومؤسس مجموعة مصانع وأكاديمية فينكس للأثاث المتقدم... قصتك أصبحت ملهمة لآلاف الشباب في الوطن العربي. من مهندس بسيط يعمل في ورشة عائلية صغيرة ويتعرض لظروف قاسية، إلى صاحب أكبر إمبراطورية أثاث في المنطقة. ما هي الحكمة أو الرسالة الكبرى التي تود توجيهها للعالم اليوم من فوق قمة نجاحك؟
نظرت إلى الكاميرا بثبات، ومرت في عقلي ل ثانية واحدة مشاهد يدي الخشنة المليئة بنشارة الخشب، وصوت أمي البارد وهي تقول إنت شاطر بإيدك مش بعقلك، وصورة قبعة تخرجي وهي ملقاة على العقد الملعون. ابتسمت ابتسامة هادئة وعميقة، وقالت بنبرة واثقة قوية تردد صداها في أرجاء الصرح بالكامل
رسالتي لكل شخص يملك شغفاً حقيقياً وصنعة في يده وعقله لا تسمح لأي شخص، حتى لو كان أقرب الناس إليك، أن يضع سقفاً لطموحك، أو يحدد قيمتك بناءً على مظاهر واهية وفارغة. لا تقبل بابتزاز العائلة أو المحيط الذي يستغل تضحياتك دون تقدير، فالاحترام لا يُستجدى بالتنازلات، بل يُفرض بالنجاح والاستقلالية.
وتابعت وأنا أنظر لأبي وأمي بامتنان الابن البار الذي ترفع عن الأحقاد
الأيدي الخشنة التي تصنع وتتعب، عندما يقودها عقل واعي وإرادة من حديد، قادرة على بناء قلاع تعجز عقول أصحاب المظاهر الشيك عن مجرد الحلم بها. تعبي لم يرح؛ لأن الروح التي وضعتها في الخشب كانت
ملكي أنا، وليست ملك الجدران أو الأوراق. واليوم، فينكس تثبت للعالم كله أن من ينهض من تحت رماد الغدر والتضحية، يحلق في السماء وحيداً كملك غير متوج... والعدالة الصادقة هي أن تترك نجاحك يتحدث، بينما ينظر الآخرون إليك من الأسفل بعيون يملؤها الندم والاعتراف بالحق.
انطلق تصفيق حاد، تصفيق هز أركان المجمع الصناعي بالكامل من مئات الحاضرين والوزراء، وتقدم نحوي المهندس طارق شاهين والأسطى حسن يشدون على يدي بفخر. في تلك اللحظة، نظرت ليدي الخشنة التي لا تزال تحمل ندوب الماضي، ورأيت فيها وسام الشرف الأكبر، وعرفت أنني لم أربح معركة البيزنس فحسب، بل ربحت معركة كرامتي واستحقاقي الإنساني، وكتبت بجرأتي أروع فصول النجاح المكتمل من البداية وحتى نقطة النهاية الدائمة.