الطالب والسيدة
أنا شاب عندي واحد وعشرين سنة وبدرس في السنة التالتة في الجامعة وكنت طول عمري عايش على قد إمكانياتي وما كنتش من الناس اللي أهلها قادرين يوفروا لهم كل حاجة بسهولة بالعكس كنت من أول يوم دخلت فيه الجامعة وأنا عارف إن كل جنيه لازم أحسبه كويس جدًا لأن مصاريف الدراسة والمواصلات والأكل والكتب كانت أكبر من إمكانيات البيت بكتير وعلشان كده كنت بشتغل جنب دراستي أي شغلانة ألاقيها من غير ما أفكر كتير في نوع الشغل أو عدد ساعاته المهم يكون شغل حلال ويجيب فلوس تساعدني أكمل تعليمي وما اضطرش أسيب الجامعة في نص الطريق اشتغلت فترة في كافيه واشتغلت في مخزن وكنت أوقات بدي دروس لطلبة أصغر مني وكنت أشتغل في توصيل الطلبات وأساعد أصحاب المحلات في نقل البضائع وكل ما كنت ألاقي شغلانة مؤقتة كنت بقول لنفسي إنها فرصة وإن الواحد لازم يتمسك بأي فرصة في الظروف اللي أنا فيها وفي يوم وأنا بتصفح جروب على فيسبوك خاص بالوظائف لقيت إعلان قصير جدًا مكتوب فيه إن ست كبيرة في السن محتاجة شخص ييجي يساعدها في تنظيف البيت مرة واحدة كل أسبوع وإن المطلوب شخص أمين وهادئ ويعرف يتعامل مع كبار السن والمرتب كان مئتين جنيه عن كل زيارة المبلغ وقتها بالنسبة لي كان مهم جدًا لأن مئتين جنيه كانوا يقدروا يغطوا جزء كبير من مصاريف أسبوع كامل فبعت رسالة لصاحبة الإعلان وبعد ساعات اتصلت بيا وقالتلي إن البيت قريب من وسط البلد وإن الست عايشة لوحدها وإن الشغل بسيط ومش محتاج خبرة وإن المطلوب بس تنظيف البيت وترتيبه وغسيل المواعين ولو احتاجت مساعدة بسيطة في حمل حاجة أو شراء حاجة من السوق أساعدها وافقت على طول وفي اليوم اللي اتفقنا عليه رحت للعنوان وكان البيت موجود في حارة ضيقة قديمة وسط بيوت متلاصقة وأبواب خشب قديمة ولما وصلت وقفت قدام باب باين عليه إن عمره أكبر من عمري وخبطت مرتين وما سمعتش رد خبطت مرة تالتة وبعد ثواني سمعت صوت خطوات بطيئة جدًا من جوه وبعدها الباب اتفتح شوية وظهرت قدامي ست عجوز صغيرة جدًا في الحجم لدرجة إني للحظة افتكرت إنها أصغر من سنها الحقيقي بسبب ضعف جسمها كانت ماسكة عصاية بإيد وإيدها التانية ماسكة طرف الباب وكانت إيديها بتترعش وشعرها كله أبيض ووشها مليان تجاعيد لكن عينيها كانوا غريبين كانوا هاديين جدًا وفيهم حزن عميق ما فهمتش سببه في أول لحظة سلمت عليها وقلت لها إني جاي بخصوص الشغل فابتسمت وقالتلي ادخل يا ابني البيت كان صغير جدًا لكنه كان مليان حاجات قديمة صورة هنا وراديو قديم هناك وساعة حائط متوقفة وكرسيين خشب وطاولة صغيرة وسرير في أوضة جانبية والستائر كانت باهتة والحيطان محتاجة دهان لكن أكتر حاجة شدت انتباهي إن البيت رغم فقره كان مرتب جدًا كأن صاحبته كانت بتحاول تحافظ على كل حاجة في مكانها مهما كان الزمن أخد منها سألتني إذا كنت أعرف أنضف كويس فضحكت وقلت لها إني مش محترف لكني أقدر أعمل اللي أقدر عليه فقالتلي أنا مش محتاجة محترف يا ابني أنا محتاجة إيد تساعدني وبس ووقتها قالتلي إنها بتعاني من مشاكل شديدة في المفاصل وإن ضغطها ساعات بيعلى وإن المشي بقى صعب عليها وإنها كانت قبل كده بتعمل كل حاجة بنفسها لكن دلوقتي حتى كوباية المياه ساعات بتبقى تقيلة عليها فبدأت أنضف البيت وفي أول مرة خلصت بسرعة نسبيًا ولما كنت همشي قالتلي استنى يا ابني هجيب لك فلوسك فقلت لها مفيش مشكلة وفعلاً فتحت درج قديم وقعدت تدور فيه كتير وبعدين قالتلي معلش أنا مش لاقية الفلوس دلوقتي اديني لحد الأسبوع الجاي وهديهالك حسيت إنها محرجة فقلت لها ولا يهمك ومشيت وأنا مقتنع إن الأسبوع الجاي هقبض المئتين جنيه لكن الأسبوع اللي بعده حصل نفس الموضوع وبعده نفس الموضوع وفي كل مرة كانت تقوللي سبب مختلف مرة تقوللي إن معاشها اتأخر ومرة تقوللي إن عندها مصاريف علاج ومرة تقوللي إنها دفعت فاتورة ضرورية ومرة تقوللي إنها هتقبض فلوس من شخص وإنه اتأخر عليها وفي البداية كنت بتضايق لكني ما كنتش بتكلم لأن الست كانت فعلًا باين عليها إنها محتاجة وبعد كام زيارة بدأت ألاحظ حاجة تانية كانت التلاجة شبه فاضية جدًا وكل مرة أفتحها علشان أحط حاجة كنت ألاقي كام بيضة وشوية رز وخضار قديم وأحيانًا نص زجاجة مياه ومرة سألتها انتي بتاكلي إيه فقالتلي أنا باكل أي حاجة بسيطة يا ابني أنا مش بحب الأكل الكتير فضحكت وقلت لها دي مش حاجة بسيطة دي تلاجة فاضية فقالتلي أنا كبيرة ومش باكل كتير لكني ما صدقتش الكلام وخصوصًا لما في مرة لقيتها قاعدة قدام طبق صغير جدًا فيه رز أبيض من غير أي حاجة تانية فسألتها عن أولادها فقالت إن أولادها بعيد وإن كل واحد عنده حياته ومش بتحب تقل عليهم قلت لها طب ما تكلميهم فقالتلي هم عندهم مشاكلهم وأنا ما ينفعش أكون مشكلة زيادة عندهم ومن يومها بدأت أجيب لها حاجة معايا كل مرة كنت أروح السوق قبل ما أروح لها وأشتري على قد إمكانياتي لحمة أو فراخ أو سمك أو خضار وأدخل المطبخ وأطبخلها حاجة سخنة وكانت في البداية ترفض وتقوللي ما تتعبش نفسك يا ابني لكن لما كنت أحط الطبق قدامها كانت تسكت وتبدأ تاكل ببطء وكنت ألاحظ إن عينيها بتلمع وكأن الأكل نفسه مش هو الحاجة اللي فرحاها وإنما وجود شخص عمله لها وفي مرة وأنا بحط قدامها طبق شوربة قالتلي من غير ما تبصلي أنا بقالي سنين ما حدش طبخلي حاجة بإيده فسألتها هو أولادك مش بييجوا قالتلي بييجوا أحيانًا وسكتت وبعدها غيرت الموضوع وأنا ما ضغطتش عليها وفي الأيام اللي كانت بتتعب فيها كنت أساعدها تقوم من السرير وأجيب لها الدواء وأروح الصيدلية وأحيانًا آخذها للمستشفى الحكومي بنفسي وفي مرة قعدنا في المستشفى ساعات طويلة لأن الدور كان زحمة جدًا وهي كانت تعبانة ولما خلصنا وكنا خارجين مسكت إيدي فجأة وقالتلي انت بتفكرني بابني الصغير سكت وأنا بصيت لها فقالت كان طيب زيك بالضبط وكان دايمًا يقول لي ما تخافيش أنا جنبك وبعدها عينيها دمعت فقلت لها ابنك فين قالت مات وأنا ما سألتش أكتر لأن ملامحها وقتها قالتلي إن الموضوع أوجع من إنه يتحكي بسهولة ومن اليوم ده بدأت أحس إني مش بروح البيت علشان أنضفه بس بقيت بروح علشان أشوفها هي ونتكلم شوية وأسمع حكاياتها عن زمان كانت تحكيلي عن زوجها وعن بيت قديم كانت عايشة فيه وعن أولادها وعن ابنها الصغير اللي مات وعن حاجات صغيرة جدًا ما كانش فيها أي أهمية بالنسبة لي لكنها كانت بالنسبة لها كل ذكرياتها وفي المقابل أنا كنت أحكيلها عن الجامعة