الطالب والسيدة

لمحة نيوز

الوصية إنني لم أكن ابنها بالدم لكنها تعتبرني ابنًا اختارته الحياة لها في آخر أيامها وفي نفس الوقت اكتشفت إن أولادها الحقيقيين دخلوا في نزاع على التركة بمجرد وفاتها وإنهم كانوا يعتقدون أن كل شيء سيذهب إليهم وأن بعضهم اتهم المحامي بالتلاعب لكن المحامي كان معه كل المستندات القانونية وبعد أسابيع بدأت المشاكل تكبر واكتشفت إن أحد أفراد العائلة كان يحاول إخفاء مستندات مهمة تخص أموال قديمة وإن الأوراق التي تركتها لي كانت تساعد في كشف جزء من الحقيقة المتعلقة بالحادث القديم لكن المحامي نصحني ألا أتدخل مباشرة وأن أترك القانون يأخذ مجراه وفعلاً بدأت التحقيقات الرسمية من جديد في بعض الأمور المالية والوثائق القديمة ولم أكن أنا الشخص الذي سيحل قضية وفاة قديمة لكنني كنت الشخص الذي يحمل المفتاح لفتح باب الحقيقة وبعد فترة وصلتني رسالة من المحامي تقول إن أحد أقاربها اعترف بأنه كان يعرف أن ابنها اكتشف التلاعب المالي وإن الخلافات العائلية كانت أكبر مما تخيلت لكن ما حدث في الحادث لم يتم إثباته كجريمة بشكل قاطع ومع ذلك ظهرت حقائق كافية لتغيير صورة العائلة كلها أما بالنسبة لي فقد عدت للجامعة وأنا لأول مرة لا أفكر كل ليلة في كيفية دفع المصاريف لم أترك الدراسة كما كانت تخشى الست واشتغلت أقل وركزت في دراستي لكني كل أسبوع كنت أذهب إلى بيتها القديم وأقف قدام الباب وأتذكر أول مرة خبطت عليها وأتذكر إنها فتحتلي وهي ماسكة العصاية وأتذكر إني كنت داخل علشان أنضف بيت مقابل مئتين جنيه فقط وما كنتش أعرف إن الزيارة الأولى دي هتغير حياتي كلها وبعد أشهر تم بيع البيت القديم حسب رغبتها وتم استخدام جزء من المال في مشروع صغير لمساعدة كبار السن الذين يعيشون بمفردهم وبدأت أنا أشارك في المشروع وأروح لبعض البيوت مع أشخاص متخصصين ونقدم لهم الطعام والدواء والتنظيف والمساعدة البسيطة وفي كل مرة كنت أدخل بيت ست أو رجل كبير في السن كنت أفتكرها وأفتكر كلامها عن الوحدة وبعد تخرجي ساعدني المحامي في تنفيذ باقي وصيتها وبدأت مشروعًا أكبر لمساعدة الطلاب المحتاجين وكبار السن وفي يوم من الأيام رجعت لمكتب المحامي وسألته ليه الست اختارتني أنا بالذات فقاللي عندي لك جواب أخير لم أعطه لك من قبل وأخرج ظرفًا صغيرًا وقاللي ده كانت وصيتها إنه ما يتفتحش غير بعد ما تتخرج فتحت الظرف وأنا واقف وقرأت أول سطر أنا عارفة إنك ممكن تسأل نفسك طول عمرك ليه اخترتك لكن الحقيقة إنني لم أخترك لأنك تشبه ابني فقط اخترتك لأنك كنت مختلفًا عنه في شيء مهم ابني كان طيبًا لكنه مات وهو يظن أن عليه إنقاذ العالم كله أما أنت فكنت طيبًا رغم أنك كنت تحاول فقط النجاة من يومك وهذا النوع من الطيبة هو الذي كنت أبحث عنه ثم كتبت أنا لم أدفع لك في البداية لأنني كنت أريد أن أعرف هل ستتوقف عن مساعدتي عندما يصبح وجودي عبئًا عليك ولما لم تتوقف فهمت أن المال لن يشتريك وأن الفقر لم يسرق منك إنسانيتك وفي آخر الجواب كتبت جملة خلتني أبكي للمرة الأولى منذ وفاتها أنا لم أترك لك المال لأنني أريد أن أجعلك غنيًا أنا تركته لك لأنني رأيت فيك شخصًا يستطيع أن يمنع المال من أن يجعله قاسيًا وعرفت وقتها إن المئتين جنيه اللي كنت فاكرهم أجري الحقيقي ما كانوش أبدًا قيمة اللي عملته وإن الست كانت طول الوقت بتعلمني درسًا أكبر من أي درس اتعلمته في الجامعة وهو إن الإنسان ممكن يكون فقير في جيبه لكنه غني في قلبه وممكن يكون عنده ملايين لكنه يعيش أفقر الناس لأن ما عندوش حد يسأل عليه وفي آخر سطر كتبت لو كنت قد أخذت مني المال في أول يوم ثم رحلت ما كنتش سألومك لكنك بقيت رغم إنني لم أعطك شيئًا ولهذا فأنت لم تحصل على ما تركته لك لأنك احتجت المال فقط بل لأنك أثبت أنك تعرف قيمة الإنسان قبل قيمة المال وبعد سنوات طويلة عندما أصبح المشروع الذي بدأناه صغيرًا أكبر بكثير وكان فيه عشرات الطلاب بيكملوا تعليمهم ومئات كبار السن بيلاقوا حد يزورهم ويساعدهم كنت أحيانًا أرجع للحارة القديمة وأقف أمام المكان الذي كان بيتها فيه وأتخيلها قاعدة على كرسيها القديم ومستنية صوت المفتاح في الباب وأفتكر أول يوم لما قالتلي ادخل يا ابني وأفتكر آخر يوم لما قالتلي لو ما لقيتنيش ما تزعلش مني وساعتها كنت بفهم أخيرًا إنها ما كانتش بتجهزني لغيابها فقط كانت بتجهزني لحياة كاملة بعدها وكنت فاكر إنني دخلت بيتها علشان أنضفه لكن الحقيقة إنها هي اللي نظفت شيئًا داخلي ما كانش المال قادر ينظفه وأنقذتني من خوفي من الفقر ومن خوفي من المستقبل ومن فكرة إن الإنسان لازم يمتلك كثيرًا علشان يكون له قيمة وكلما حد سألني إزاي حياتك اتغيرت فجأة كنت أبتسم وأقول إن الموضوع بدأ ببيت قديم وست كبيرة ما كانش معاها فلوس تدفعلي مئتين جنيه في الأسبوع لكن الحقيقة اللي ما كنتش بحكيها إنني يوم فتحت جوابها الأول كنت فاكر إني هقرأ اعتذار عن فلوس متأخرة لكني اكتشفت إنني كنت أقرأ وصية امرأة كانت تعرف أن الإنسان أحيانًا لا يحتاج لمن يعطيه المال بقدر ما يحتاج لمن يصدقه ويؤمن به وفي النهاية فهمت إن بعض الناس يدخلون حياتنا كأنهم محتاجين إلينا بينما الحقيقة أنهم جاءوا لكي يتركوا في حياتنا شيئًا لا يمكن لأي مال أن يشتريه وأن الست التي ظننت أنني كنت أنقذها كل أسبوع عندما أذهب إلى بيتها وأحمل عنها كيس السوق أو أطهو لها طبقًا ساخنًا أو آخذها للمستشفى كانت في الحقيقة هي التي كانت تنقذني بطريقتها الخاصة وكانت تجهزني للحظة التي سأقف فيها وحدي بعد رحيلها وأقرر هل سأحتفظ بما تركته لي لنفسي أم سأكون الشخص الذي كانت تتمنى أن أكونه واخترت أن أكون الشخص الذي أرادته ولهذا كلما أساعد طالبًا محتاجًا في مصاريف الجامعة أو أزور شخصًا كبيرًا يعيش وحده أو أضع طبق أكل ساخن أمام إنسان ما عندوش حد أسأله عنه أتذكرها وأقول في سري إن المئتين جنيه التي لم أحصل عليها في يوم واحد كانت أغلى درس في حياتي لأنني لو كنت أخذت أجري في كل زيارة ربما كنت خرجت من بيتها وأنا أظن أنني قدمت خدمة وانتهى الأمر لكنني خرجت منه وأنا أعرف أن بعض الخدمات لا تُقاس بالمال وأن بعض الأجور لا تصل إلى يدك إلا بعد سنوات وأن بعض الرسائل لا تُفتح إلا بعد موت أصحابها لكنها تظل مفتوحة داخل قلبك إلى آخر يوم في حياتك.

تم نسخ الرابط