في آخر شهرين قبل العيد، كنت حاسة إن الدنيا كلها متكومة على كتافي، بس كنت راضية… راضية عشان في الآخر هييجي يوم العيد ونشوف الفرحة في عيون ولادنا. أنا اسمي منار، ست بسيطة زي أي ست في بيوت كتير، جوزي هادي موظف عادي، والمرتب بالكاد بيكفّي إيجار البيت ومصاريف المدارس والأكل. عشان كده من أول السنة قلت له: "إحنا لازم نعمل حاجة عشان العيد السنة دي… الولاد كبروا وبقوا فاهمين، ومينفعش كل سنة نقول لهم معلش." ساعتها بص لي هادي وقال: "طيب ندخل جمعية." الفكرة عجبتني جداً، حسيت إن دي أول مرة نخطط لفرحة حقيقية. دخلت الجمعية باسمي أنا، كنت كل شهر أحوش وأدفع القسط بالعافية، ساعات كنت أقلل الأكل، وساعات أقول لنفسي بلاش اللحمة الأسبوع ده، وساعات أبيع حاجة بسيطة من هدومي القديمة عشان أسد القسط، بس كنت مبسوطة… لأن النهاية معروفة: 6000 جنيه في إيدي قبل العيد. كنت متخيلة اليوم ده من بدري… أنا وهادي ومازن ومروان ننزل السوق، نلف المحلات، نضحك، نجرب هدوم، والولاد يختاروا اللي نفسهم فيه. وفعلاً
اليوم ده جه. قبضت الجمعية، الفلوس في إيدي، قلبي كان بيدق من الفرحة كأني ماسكة كنز. حطيتهم في ظرف، وقلت لهادي: "يلا ننزل بكرة نجيب لبس العيد." ابتسم وقال: "تمام." كنت فاكرة إن كل حاجة ماشية زي ما اتفقنا… لحد اللحظة اللي قلبت كل حاجة. قبل ما نخرج، سمعت هادي في الصالة بيتكلم في الموبايل بصوت واطي. ماكنتش بتجسس… بس اسمي اتقال. قال: "أيوه يا عبير… قوليلي تحبي أجيبلك إنتي والولاد لبس على ذوقي ولا أحولك الفلوس؟" وقفت مكاني كأني اتجمدت. قلبي وقع في رجلي. سمعت صوت أخته من السماعة بيقول: "لا ابعت الفلوس أحسن." دخلت الصالة وأنا مصدومة وقلت: "فلوس إيه؟" بص لي عادي جداً وقال: "هدي عبير 4000 جنيه." حسيت الدنيا بتميل بيا، قلت: "4000؟ منين؟" رد ببساطة: "من الجمعية." قلت وأنا حرفياً مش مصدقة: "الجمعية كلها 6000! يعني إيه؟ إحنا هنجيب إيه؟" قال وهو بيلبس الجاكيت: "إنتي وأنا والعيال يكفينا 2000… مش لازم دلع." الدم غلى في عروقي. قلت له: "يعني أنا أشقى وأحوش طول السنة عشان أختك؟!" قال ببرود:
"أختي ظروفها صعبة." ضحكت ضحكة مرة وقلت: "وأنا؟ وأنا وولادي؟ إحنا ظروفنا إيه؟" لكن هادي كان خلاص واخد قراره. مسك الموبايل وفتح تحويل فودافون كاش. في اللحظة دي حسيت إن قلبي هينفجر. خطفت الموبايل من إيده وقلت: "على جثتي الفلوس دي تطلع بره البيت!" اتعصب جداً وقال: "إنتي بتعملي مشكلة على الفاضي." قلت له: "المشكلة إنك شايف تعبي لعبة!" سابني وخرج من الأوضة وهو بيقول: "والله لأختي هتاخد الفلوس… غصب عنك." قعدت على السرير جسمي كله بيترعش. فجأة سمعت صوت مازن ابني الصغير: "ماما… هو إحنا مش هنجيب اللبس اللي فيه سبايدر مان؟" الكلمة كسرت قلبي. حضنته ومقدرتش أرد. بعد نص ساعة هادي نزل من البيت. كنت فاكرة إنه هيروح يحول الفلوس… بس فجأة جالي إشعار على موبايلي. رسالة من فودافون كاش. قلبي وقف. فتحتها بسرعة… لقيت تحويل بـ 4000 جنيه. بس مش لأخته… التحويل كان باسمي أنا. استغربت جداً. بعد دقايق رن الموبايل. كان هادي. صوته كان هادي بشكل غريب وقال: "بصي يا منار… أنا كنت غلطان." سكت شوية وكمل: "لما
نزلت وقفت تحت البيت… افتكرت كلامك… وافتكرت لما كنتي بتدفعي قسط الجمعية وإنتي بتستلفي من نفسك… افتكرت العيال وهم بيكلموني عن لبس العيد… حسيت إني فعلاً كنت هظلمكم." كنت ساكتة. قال: "حولت الفلوس ليكي عشان تبقى معاكي إنتي… وأنا هكلم عبير وأقولها إني مقدرتش." سألته: "وهتقولها إيه؟" قال: "هقولها الحقيقة… إن مراتي وعيالي أولى." حسيت الدموع بتنزل من غير ما أحس. بعد شوية رجع البيت. دخل الأوضة وبص لي وقال بهدوء: "يلا نلبس… ننزل نجيب لبس العيد." نزلنا السوق أنا وهو والولاد. مازن جري أول ما شاف بدلة عليها سبايدر مان، ومروان اختار جاكيت أسود وكان فرحان بيه كأنه كنز. وأنا واقفة بتفرج عليهم حسيت إن كل تعب السنة راح في لحظة. هادي قرب مني وقال بصوت واطي: "حقك عليا يا منار." بصيت له وقلت: "خلي بالك بس… تعب الست مش سهل." ابتسم وقال: "عارف… واتعلمت." ورجعنا البيت آخر اليوم والولاد لابسين هدومهم الجديدة وواقفِين قدام المراية يضحكوا. وفي اللحظة دي فهمت حاجة مهمة… إن الست مش بتتعب عشان الفلوس…