الست بتتعب عشان تشوف الفرحة في عيون ولادها… واللي يفهم ده… عمره ما هيضيع تعبها.
رجعنا من السوق في الليلة دي والولاد طايرين من الفرحة، مازن لابس التيشيرت اللي عليه سبايدر مان ومش راضي يخلعه، ومروان واقف قدام المراية كل شوية يظبط الجاكيت بتاعه كأنه شاب كبير. كنت واقفة في المطبخ بحضر العشا وأنا بسمع ضحكهم من الصالة، والراحة لأول مرة من شهور دخلت قلبي. حسيت إن تعبي طول السنة ما راحش على الفاضي. هادي كان ساكت أغلب الوقت، يمكن لأنه حاسس باللي كان هيعمله، أو يمكن لأنه لسه بيفكر في رد فعل أخته لما يعرف إنها مش هتاخد الفلوس. بعد العشا قعدنا كلنا سوا، والولاد بدأوا يحكوا عن العيد وعن إنهم عايزين يروحوا الملاهي بعد الصلاة. هادي كان بيهز راسه ويقول لهم: "إن شاء الله يا حبايبي." لكن فجأة موبايله رن. بص في الشاشة واتغيرت ملامحه. عرفت فوراً إن المتصلة عبير أخته. رد عليها وخرج للبلكونة، لكن صوته العالي وصلني. كانت بتزعق فيه: "إزاي يعني مش هتبعت الفلوس؟! أنا قلتلك محتاجاها!" هادي حاول يهدّيها وقال: "يا عبير أنا مقدرتش…
العيال كمان محتاجين لبس." لكن واضح إنها ماعجبهاش الكلام، لأنها صوتها علي أكتر. قفلت البوتاجاز وقفت أسمع. كانت بتقوله: "يعني مراتك بقت أهم مني؟! أنا أختك!" رد عليها هادي بنبرة حاسمة لأول مرة: "مراتي وعيالي مسؤوليتي الأول." سكتت لحظة وبعدين قالت بسخرية: "واضح إنها لفتك حوالين صباعها." هنا هادي اتعصب وقال: "لا يا عبير… محدش لفني… أنا بس فهمت الغلط." وقفل المكالمة. دخل بعدها البيت ووشه مكفهر. قلت له بهدوء: "زعلت؟" قال: "عبير اتخانقت معايا جامد." قلت: "كنت متوقع إيه؟" سكت شوية وبعدين قال: "بس أنا مرتاح… لأول مرة حاسس إني عملت الصح." الأيام اللي بعدها كانت هادية، لحد ما جه يوم الوقفة. كنت في المطبخ بعمل كحك بسيط للولاد، وفجأة الباب خبط جامد. فتحت لقيت عبير واقفة قدام الباب ووشها كله غضب. دخلت من غير سلام حتى. قالت وهي بصالي من فوق لتحت: "أنتي مبسوطة دلوقتي؟" فهمت فوراً هي جاية ليه. قلت بهدوء: "خير؟" قالت: "خير إيه؟! جوزك بقى بيقول لأخته لأ عشانك!" هادي خرج من الأوضة وقال: "عبير كفاية." لكن هي ما سكتتش. قالت وهي بتشاور
عليا: "دي فرقت بينا!" هنا أنا حسيت إن الكرامة أهم من السكوت. قلت: "أنا مفرقتش بين حد… أنا بس دافعت عن حق ولادي." ضحكت بسخرية وقالت: "حق إيه؟ ده أخويا!" قلت: "وأنا مراته… والولاد ولاده." الجو سخن بسرعة. عبير قالت كلام كتير يوجع، عني وعن بيتي، لكن هادي وقف فجأة وقال بصوت عالي: "كفاية!" سكتت لحظة من الصدمة. قال لها: "منار عمرها ما خدت مني حاجة بالعافية… هي اللي كانت شايلة البيت وأنا عارف ده كويس." وبص لي وكمل: "ولو حد ليه فضل بعد ربنا في البيت ده… فهي." سكتت عبير وبصت له وكأنها أول مرة تسمع الكلام ده. حاولت ترد بس الكلمات وقفت في زورها. بعد لحظة قالت ببرود: "خلاص… فهمت." ولفت وخرجت من غير ما تسلم. قفلت الباب وأنا حاسة بارتعاش في إيدي. هادي قرب مني وقال: "متزعليش." قلت: "أنا مش زعلانة… أنا بس كنت خايفة." قال: "خايفة من إيه؟" قلت: "خايفة إنك تختارها علينا." بص لي بجدية وقال: "عمري ما هعمل كده." يوم العيد جه، صحينا بدري، والولاد لبسوا هدومهم الجديدة وكانوا فرحانين بشكل خلاني أنسى كل اللي حصل. بعد الصلاة رجعنا البيت
لقينا كيس كبير متحطوط قدام الباب. استغربنا. فتحناه لقينا فيه علب كحك وبسكويت وهدية صغيرة لكل واحد من الولاد. وفي الكيس ورقة صغيرة. مسكها هادي وقرأها بصوت واطي. كانت من عبير. مكتوب فيها: "يمكن اتعصبت زيادة… بس لما شوفت ولادي بيطلبوا لبس العيد ومقدرتش أجيب… فهمت إحساس منار. سامحوني." بصينا لبعض وسكتنا. مازن قال: "مين اللي بعت الحاجات دي؟" هادي ابتسم وقال: "عمتكم." مازن فرح وقال: "نروح لها؟" هادي بص لي يستأذن بعينه. أنا ابتسمت وقلت: "العيلة لازم تفضل عيلة." وبعد الضهر رحنا لها. لما فتحت الباب كانت باين عليها مكسوفة. مازن جري حضنها وقال: "بصي يا عمتي سبايدر مان!" ضحكت لأول مرة من يوم المشكلة. بصت لي وقالت بهدوء: "منار… حقك عليا." قلت لها: "خلاص… حصل خير." قعدنا سوا وشربنا شاي، والولاد لعبوا مع بعض كأن ولا حاجة حصلت. وفي اللحظة دي فهمت إن المشاكل الكبيرة أحياناً بتبدأ من فلوس قليلة… لكن اللي بيكبرها أو يصغرها هو القلب. ولو القلب فيه رحمة… حتى الخلافات الكبيرة ممكن تخلص بكلمة اعتذار وبابتسامة طفل لابس لبس العيد الجديد.