الإسم اللي كشف الحقيقة
اسمك بالكامل؟
السؤال خرج من المحامي الشاب بنبرة هادية، لكن جواه كان فيه ارتباك غريب. دنيا بلعت ريقها وقالت بصوت ضعيف دنيا دنيا حسن عبد الرحيم.
الكلمات دي وقعت في القاعة كأنها حجر اتحدف في ميه ساكنة. المحامي حس إن قلبه اتقبض فجأة. الاسم رجع له ذكرى قديمة كان فاكرها ماتت من سنين. قرب خطوة من القفص وهو مركز في ملامحها أكتر. قال بهدوء حسن عبد الرحيم ده اسم أبوك؟
هزت رأسها وقالت أيوه بس أنا توهت وأنا صغيرة، ومش فاكرة غير إن عندي أخ اسمه حسن كنا في محطة القطر، وأنا سيبت إيده وسط الزحمة.
ساعتها المحامي حس إن الدنيا كلها سكتت حواليه. القاعة، الناس، صوت الأوراق كله اختفى. وقف يبص لها كأنه بيحاول يرجع سنين طويلة لورا. قال بصوت خافت إنتي فاكرة كان عندك كام سنة وقتها؟
قالت يمكن خمس سنين كنت لابسة فستان أحمر، وإنت كنت ماسك إيدي وقلتلي متخافيش.
المحامي حس برجليه بتتهز. الفستان الأحمر الجملة دي تحديدًا دي ذكرى عمره ما نسيها. قرب أكتر وقال بصوت مخنوق ودنيك كان فيها حلق صغير فضة؟
دنيا رفعت عينيها بسرعة، والدموع لمعت فيها أيوه كنت دايمًا أضيع واحد منهم وماما كانت تزعل.
سكت ثانية وبعدين خرجت الكلمة من قلبه قبل عقله دنيا أنا حسن.
دنيا فضلت تبص له كأنها مش مصدقة. الشبه بينه وبين الطفل اللي في خيالها كان واضح فجأة. نفس العينين نفس الطريقة وهو بيكلمها. إيديها مسكت حديد القفص بقوة وقالت بصوت مرتعش حسن أخويا؟
هز رأسه والدموع في عينه وقال أنا فضلت أدور عليكي سنين كل الأقسام والملاجئ فاكر إنك متي وأنا السبب.
الدنيا سكتت لحظة وبعدين انهارت بالبكاء. الناس اللي في القاعة بصوا باستغراب، لكن المشهد كان أقوى من أي تفسير. أخ وأخته ضاعوا سنين، واتقابلوا فجأة في قاعة محكمة.
القاضي رجع بعد شوية، ولما شاف الوضع سأل عن اللي حصل. حسن وقف بثبات رغم الدموع اللي لسه في عينه وقال يا سيادة القاضي أطلب تأجيل القضية لأتولى الدفاع عن المتهمة.
القاضي وافق.
ومن اللحظة دي حسن بقى مش بس أخ بقى محاميها كمان.
قضى الأيام اللي بعدها كلها بيجمع الأدلة. راح للمكان اللي حصلت فيه الواقعة، جاب تسجيلات الكاميرات، سأل صاحب المحل اللي الكاميرا بتاعته صورت الحادثة. الفيديو كان واضح الراجل سكران بيقرب منها ويحاول يمسكها، وهي بتدافع عن نفسها.
وفي الجلسة التالية وقف
القاعة كانت ساكتة وهو بيعرض الفيديو. حتى القاضي ركز كويس.
وبعد مرافعة طويلة، صدر الحكم براءة دنيا.
في اللحظة دي دنيا بكت تاني، بس المرة دي دموع فرح. خرجت من القفص، وحسن حضنها قدام الجميع.
لكن القصة ما خلصتش هنا.
بعد أيام حسن أخدها معاه يزور البيت اللي اتربت فيه. بيت نعيمة وأبو نعيمة. الباب اتفتح، وأم نعيمة لما شافت دنيا اتفاجئت جدًا.
قالت بتوتر إنتي؟!
حسن قال بهدوء دي أختي وأنا اللي بدور عليها من سنين.
أبو نعيمة سكت لحظة، وبعدين قال بصوت واطي إحنا لقيناها تايهة وربيناها بس
دنيا قاطعته بهدوء أنا عارفة وأنا مش جاية أعاتب.
نعيمة نفسها خرجت من الأوضة. لما شافت دنيا حضنتها فورًا وبكت. قالت أنا كنت بحبك والله ما كنت عايزة تمشي.
دنيا ابتسمت وقالت أنا عارفة.
الأيام عدت ودنيا بدأت حياة جديدة مع أخوها. حسن ساعدها تكمل تعليمها، ودخلت معهد تمريض لأنها كانت بتحب تساعد الناس.
الغريب إن بعد فترة قصيرة جدًا باب حسن نفسه خبط.
كان شاب محترم اسمه كريم صاحب محل كبير قال إنه
طلب يتقدم لها.
حسن بص لأخته وقال مبتسم القرار قرارك.
دنيا افتكرت كل اللي عاشته الشارع الظلم السجن واللحظة اللي لقت فيها أخوها أخيرًا.
ابتسمت وقالت أنا موافقة.
بعد شهور قليلة اتجوزت دنيا في فرح بسيط لكنه مليان فرحة حقيقية. نعيمة كانت أول واحدة ترقص معاها.
وحسن وقف يبص لأخته بفخر لأنه أخيرًا قدر يرجعها لحياته بعد سنين الضياع.
وفي اللحظة دي فهم حاجة مهمة إن القدر أحيانًا بيضيع الناس سنين طويلة بس لما يحب يجمعهم تاني بيعملها في لحظة واحدة حتى لو كانت اللحظة دي في قاعة محكمة.
بعد الحكم بالبراءة، خرجت دنيا من باب المحكمة وهي حاسة كأنها بتتنفس لأول مرة بجد. الشمس كانت قوية، لكن دفئها على وشها حسسها إن الحياة لسه فيها خير. حسن كان ماشي جنبها، كل شوية يبص لها كأنه لسه مش مصدق إنها قدامه فعلاً. سنين طويلة وهو بيدور على أخته
يسأل في الأقسام والملاجئ والمحافظات، وفي الآخر يلاقيها صدفة في قاعة محكمة وهو واقف بيدافع عن حد تاني. الدنيا ساعات بتلعب لعبتها الغريبة. وقف حسن فجأة وقال لها فاكرة يا دنيا يوم ما ضيعناك؟ سكتت شوية وبعدين