بيت العيلة

لمحة نيوز

أول ما فتحت الباب، وقعت في أكبر غلطة عملتها في حياتي… أو يمكن كانت اللحظة اللي فهمت فيها إن السكوت ساعات بيبقى أكبر غلطة. بنتي "رشا" كانت واقفة في المطبخ، كتافها مهدودة وإيديها غرقانة في صابون المواعين، ودموعها بتنزل في هدوء موجع، دموع الست اللي جابت آخرها. شعرها منكوش وتحت عينيها سواد تقيل، كأنها مش نامت من أيام. وراها في الصالة كان فيه مشهد خلّى الدم يغلي في عروقي. تمانية أفراد قاعدين كأنهم أصحاب البيت. "مدام فايزة" حماتها قاعدة متمطعة على الكنبة زي الملكة، وبناتها هبة ومنى حاطين رجليهم على الترابيزة وبيتفرجوا على التلفزيون، وأخو جوزها تامر مع مراته وعياله عاملين دوشة في كل حتة. الأطفال بيجروا ويوقعوا الأكل على الأرض، والضحك والزعيق مالي المكان. "يا رشا.. السكر فين؟" هبة سألت وهي مش حتى بصالها. "البيض ده بارد يا رشا، اعملي غيره حالاً"، قالت فايزة بصوت حاد. ورشا… بنتي اللي عندها 43 سنة… كانت بتتحرك بينهم زي الخيال، بتنضف وبتخدم وتسمع الكلام من غير كلمة اعتراض. وقفت على الباب وحسيت النار بتاكلني من جوا. أنا عندي سبعين سنة، بس مش عشان كدة تعبي يضيع. البيت ده اشتريته عشان بنتي تعيش فيه مرتاحة، مش عشان يبقى فندق لعيلة جوزها. من سنة ونص بس كانت رشا راجعة لي مكسورة بعد طلاقها من جوزها الأولاني، راجل عاشرته 18 سنة وكان بيكسرها كل يوم بكلمة. عمره ما ضربها، بس كسر روحها. كان يقعد بالأيام ما يكلمهاش، يقول لها إنتي مالكيش لازمة، إنتي محظوظة إني مستحملك. ولما طلبت الطلاق أخد كل حاجة… الشقة، الفلوس، وحتى العربية اللي أنا جبتها لها. رجعت لي بشنطتين هدوم

وروح مكسورة. شهور وهي بتمشي في شقتي كأنها مش موجودة، تبكي كل ليلة وتقول خلاص يا ماما… أنا كبرت، مش هقدر أبدأ من جديد. يومها بصيت لتحويشة عمري… خمسمية ألف جنيه كنت شايلةهم لشيخوختي… وقلت لنفسي: الفلوس دي لو ما أنقذتش بنتي تبقى مالهاش قيمة. اشتريت البيت ده في أطراف المدينة، مكان هادي وسط شجر فاكهة وجنينة صغيرة ومطبخ كبير يطل عليها. لما سلمت المفاتيح لرشا كانت بتبص لها كأنها حلم. سألتني وهي بترتعش: "بجد بتاعتي؟" قلت لها: "بتاعتك لوحدك، ومش من حق مخلوق يقرب لها." كتبتها باسمها عشان تبقى أمانها. وقتها بكينا من الفرحة. بس بعد شهور قليلة قابلت "عمر". قال إنه بيحبها، وإنه هيعوضها عن اللي فات. وأنا… صدقته. كان شكله هادي وكلامه موزون. اتجوزوا بسرعة، وفي الأول كل حاجة كانت كويسة. لحد ما فجأة بقت أمه تزورها كتير. مرة يومين، مرة أسبوع. بعدها جابت بناتها… بعدها أخوه. وبالراحة البيت بقى مليان. كنت فاكرة إنها زيارة مؤقتة، لكن لما دخلت البيت يومها فهمت الحقيقة. وأنا واقفة على الباب سمعت صوت عمر داخل من برة وهو بيقول: "إيه يا جماعة… ماما مرتاحة؟" ردت فايزة: "آه بس البيت ضيق شوية علينا." ضحك وقال: "ما هو بيتنا." ساعتها أنا دخلت الصالة بخطوات تقيلة. كلهم بصوا لي. قلت بهدوء: "البيت مش بيتكم." سكت المكان. عمر قال: "إيه الكلام ده يا طنط؟ ده بيت مراتي… يعني بيتي." قلت له وأنا ببص في عينيه: "البيت باسم بنتي بس. وأنا اللي اشتريته. ومش جايبكم تعيشوا فيه." فايزة قامت بعصبية وقالت: "إحنا أهل جوزها!" قلت لها: "وأنا أمها." حاول عمر يهدّي الجو ويضحك، لكن أنا كملت: "من النهارده…
اللي مش صاحب البيت يلم هدومه." رشا كانت واقفة ورايا مرعوبة. عينيها بتقول لي اسكتي. لكن أنا كنت عارفة إن السكوت هو اللي وصلها للحال ده. فايزة صرخت: "إنتي بتطردينا؟!" قلت: "آه." عمر اتعصب وقال: "إنتي بتخربي بيتي!" رديت: "البيت ده مش بيتك أصلاً." ساعتها بدأ الجدال يعلى. الأطفال سكتوا، والجو اتكهرب. بصيت لرشا وقلت لها: "قولي الحقيقة… انتي عايزة ده؟" سكتت لحظة طويلة… وبعدين فجأة قالت بصوت ضعيف: "لأ." الكلمة كانت صغيرة… بس وقعت عليهم زي الصاعقة. عمر بص لها مصدوم وقال: "إيه؟" لكنها رفعت راسها وقالت: "أنا تعبت… البيت ده مش فندق." فايزة حاولت تهاجمها بالكلام، لكن رشا لأول مرة ردت. قالت: "أنا خادمة هنا بقالي شهور… خلاص." الجو انفجر. عمر زعق واتهمها إنها بتسمع كلام أمها. لكنها المرة دي ما رجعتش. قالت له بهدوء: "لو عايز تعيش هنا… لوحدك معايا. غير كده… الباب مفتوح." فايزة لمت شنطتها وهي بتشتم، وبناتها خرجوا وراها، وتامر أخد عياله. عمر وقف في النص متردد. حاول يقنع رشا تسيبهم يرجعوا. لكنها قالت كلمة واحدة: "اختار." وبعد دقائق طويلة… عمر أخد مفاتيحه وخرج وراهم. الباب اتقفل… والبيت سكت لأول مرة من شهور. رشا وقفت في الصالة وبعدين انهارت في البكاء. حضنتها وأنا بحسس على شعرها. قالت وهي بتعيط: "أنا آسفة يا ماما… ضيعت تعبك." قلت لها: "لأ يا بنتي… النهارده بس رجعناه." مرت شهور بعدها… ورشا رجعت تزرع الجنينة وتخبز في المطبخ وتضحك تاني. البيت بقى هادي زي ما حلمنا. وأنا كل ما أشوفها قاعدة في الجنينة بشرب الشاي أقول لنفسي: يمكن الفلوس تخلص… لكن الكرامة لما تتصان بتبني
بيت ما يتهدش أبداً.

بعد ما الباب اتقفل ورا عمر وأهله، ساد في البيت صمت غريب… الصمت اللي بييجي بعد عاصفة. رشا كانت لسه واقفة في نص الصالة، عينيها حمرا ودموعها لسه بتنزل، وأنا حاسة بقلبها بيدق في صدري وأنا حضناها. لأول مرة من شهور البيت هادي… مفيش صوت أوامر، مفيش زعيق أطفال، مفيش صوت فايزة وهي بتأمر وتنتقد. لكن رغم الهدوء، كان فيه خوف ساكن في عيون رشا. قالت بصوت متقطع:
"هو… هو ممكن يرجع يا ماما؟"
مسحت دموعها وقلت:
"اللي يرجع يرجع باحترام… غير كده الباب اللي خرج منه يفضل مفتوح لبره."

عدّى يوم… واتنين… وثلاثة.
في الأول رشا كانت بتصحى الصبح مفزوعة، كأنها متوقعة تسمع صوت فايزة بتناديها أو تخبط باب الأوضة. كانت تتحرك في البيت بحذر، كأنها لسه مش مصدقة إن البيت رجع لها فعلاً. لكن مع كل يوم كان بيعدي، كانت بتتنفس أكتر.
رجعت تنظف الجنينة، تسقي الشجر، وترتب المطبخ بطريقتها. كانت كل ما تفتح شباك الصبح وتشم الهوا تقول:
"أنا حاسة إني رجعت أعيش."

بس الهدوء ما طولش قوي.
بعد أسبوع بالظبط، رن جرس الباب.
رشا بصت لي بخوف… وأنا قلت لها بهدوء:
"افتحي… البيت بيتك."

فتحت الباب… وكان عمر واقف.
شكله كان مختلف. دقنه طالعة شوية، وعينيه فيها تعب.
وقف ساكت لحظة… وبعدين قال:
"ممكن أتكلم؟"

رشا سكتت، وأنا كنت واقفة بعيد شوية أراقب.
دخل عمر وقعد على طرف الكنبة، نفس الكنبة اللي كانت أمه قاعدة عليها كأنها ملكة. بص حواليه كأنه بيشوف البيت لأول مرة.
قال بهدوء:
"أنا عارف إن اللي حصل كان غلط."

رشا ما ردتش.
كمل كلامه:
"بس هما أهلي… مقدرتش أقول لهم لأ."

ساعتها رشا رفعت عينيها

وقالت لأول مرة بصوت ثابت:
 

تم نسخ الرابط