بنت ورثت شجر ميت

لمحة نيوز

بنت ورثت "شجر ميت" وإخواتها ورثوا أحسن الأراضي والفلوس…
"بالخشب الناشف ده هتتعلمي قيمة التعب.. اللي إنتي عمرك ما عرفتيه وأنتي قاعدة في البيت زي الجبانة."
الجملة دي كانت مكتوبة بخط متكسر على الورقة اللي أبوها سايبها لها في الظرف.

ليلى قعدت ساكتة في مكتب المحامي والأوضة كلها بقت ضيقة عليها. إخواتها أحمد ومحمود كانوا بيبصوا لبعض بنظرات انتصار، كأنهم خرجوا من معركة وكسبوها. أحمد مسك مفاتيح عربية أبوه اللي ورثها مع البيت وقال وهو بيضحك:
— "واضح إن أبويا كان عارف يوزع الصح."

محمود زود الضحكة وقال بسخرية:
— "أرض التبة دي حتى المعيز مبتطلعش عليها."

ليلى قامت بهدوء… مسحت دموعها بسرعة قبل ما حد يشوفها، حطت الورقة في جيبها ومشيت من غير ما تقول كلمة.
خرجت من مكتب المحامي والشمس كانت واقفة في نص السما. الهواء كان حار، لكن صدرها كان أضيق من الحر نفسه.

في طريقها للقرية، كانت بتفتكر حياتها كلها.
من وهي صغيرة وهي اللي بتصحى بدري، تطبخ لأبوها، تنظف البيت، وترعى الغيط.
إخواتها كانوا في القاهرة، مدارس خاصة وجامعات ومصايف… وهي هنا.
عمرها ما

اشتكت… بس أول مرة تحس إن قلبها مكسور بجد.

وصلت عند أرض التبة قبل المغرب بشوية.
المكان كان مهجور… شجر الفاكهة واقف ناشف كأنه هيقع من الهوا. الأرض مليانة حجارة وزلط، والعشب الناشف مغطيها.
وقفت تبص حواليها… وقالت لنفسها بصوت واطي:
— "حتى لو دي كل اللي عندي… هحاول."

اليوم اللي بعده، جابت فأس قديمة وطلعت على التبة.
كانت ناوية تقطع الشجر الميت وتبيعه حطب… يمكن يطلع منه قرشين تعيش بيهم.

مسكت أول شجرة وبدأت تضرب الفأس في الجذع.
ضربة… اتنين… تلاتة…
العرق كان بينزل على وشها، وإيديها وجعتها.

وفجأة…
الفأس خبطت في حاجة غريبة تحت التراب.

صوتها مكنش صوت خشب.
كان صوت معدن.

وقفت فجأة… قلبها بدأ يدق بسرعة.
ركعت على الأرض وبدأت تزحزح التراب بإيديها.

بعد شوية… ظهر طرف صندوق حديد قديم.
الصندوق كان مدفون تحت الجذور.

ليلى شهقت…
— "إيه ده؟"

فضلت تحفر حواليه لحد ما طلعته بالعافية.
كان تقيل جدا… والصدأ مغطيه كله.

جريت على بيتها وجابت شاكوش صغير، وضربت القفل القديم…
بعد كذا محاولة القفل اتكسر.

فتحت الصندوق…
وفي اللحظة دي… عينيها اتسعت.

الصندوق

كان مليان عملات ذهبية قديمة… وسلاسل… وخواتم… وحتى سبايك صغيرة.

الدهشة خلتها تقعد على الأرض.
إيديها كانت بتترعش وهي ماسكة قطعة دهب.

— "يا نهار أبيض…"

لكن المفاجأة الأكبر كانت ورقة قديمة جوه الصندوق.
طلعتها وفتحتها بحذر.

كان خط أبوها.

"يا ليلى…
لو لقيتي الصندوق ده، يبقى عرفتي إن الأرض دي مش زي ما الناس فاكرة.
أنا دفنت الكنز ده هنا من سنين طويلة… ده دهب جدك اللي كان تاجر كبير أيام زمان.
أنا كنت شايف إخواتك بيحبوا الفلوس السهلة… لكن إنتي الوحيدة اللي تستاهلي.
كنت عارف إنك هتيجي بنفسك وتشتغلي بإيدك… وعشان كده سبتلك الأرض دي.
الكنز مش للكسالى… الكنز للي يتعب.
سامحيني لو قسيت عليكي… بس كنت عايز أشوفك قوية."

ليلى قرأت الجواب وهي بتعيط…
بس المرة دي كانت دموع مختلفة.

دموع فهم.

أبوها مكنش بيكرهها…
كان بيختبرها.

عدت شهور قليلة…
ليلى باعت جزء صغير من الدهب وبدأت تصلح الأرض.

جابت مهندسين زراعة… حفرت بئر… ومدت مواسير مية.
والأرض اللي كانت ناشفة… بدأت تخضر.

زرعت مانجو ورمان وتين…
وبعد سنتين بس… أرض التبة بقت أجمل أرض في المنطقة.

أما أحمد ومحمود…
فالأرض اللي على الترعة غرقت في الديون.
ومزرعة الزيتون أصابها مرض وخسرت نص إنتاجها.

وفي يوم من الأيام…
وقفوا الاتنين فوق التبة يبصوا بدهشة على المزرعة الكبيرة.

أحمد قال وهو مصدوم:
— "معقول دي نفس الأرض؟"

ليلى ابتسمت وهي واقفة وسط الشجر الأخضر وقالت بهدوء:
— "أصل الشجر الميت… ساعات بيخبي كنز… بس لازم حد يتعب عشان يلاقيه."

وهي بتبص للسماء…
افتكرت أبوها لأول مرة بابتسامة.

لأنها فهمت أخيرًا…
إن أغلى ميراث مش الدهب…

أغلى ميراث هو القوة اللي اتعلمتها وهي بتدور عليه.

بعد ما أرض التبة اتحولت من حتة ناشفة مليانة حجارة لمزرعة خضرا واسعة، اسم "ليلى بنت الحاج رمضان" بقى يتقال في البلد كلها. الناس كانت بتطلع فوق التبة تتفرج على الأشجار اللي بقت صفوف طويلة من المانجو والرمان والتين، والبير اللي حفرته بقى بيروي الأرض كلها. بعد ما كانت الأرض اللي الكل بيضحك عليها… بقت أغلى أرض في القرية.

لكن ليلى، رغم النجاح والفلوس اللي بدأت تدخل لها من بيع الفاكهة، كان جواها إحساس غريب… إحساس إن في حاجة لسه مستخبية في الأرض دي.
كل

ما تمشي بين الأشجار كانت تفتكر الصندوق الأول… وتفتكر كلام أبوها في الجواب.

"الكنز مش للكسالى… الكنز للي يتعب."

تم نسخ الرابط