صاحبة مراتي

لمحة نيوز

من أول يوم دخلت فيه إيمان حياتي، وأنا حاسس إن الدنيا أخيراً رضيت عليّ بعد سنين طويلة من التعب والوحدة. كانت بنت بسيطة، قلبها نضيف، وضحكتها تداوي أي وجع جوايا. اتجوزنا في شقة صغيرة في حارة هادية، وكنا بنبني حياتنا طوبة طوبة، من غير رفاهية، لكن برضا وراحة غريبة مش أي حد يحسها. كانت دايماً تقول لي يا رؤوف، إحنا مش محتاجين حاجة غير بعض، وكنت بصدقها، لأني كنت شايف ده بعيني كل يوم.
صاحبتها سمر كانت بتزورنا كتير، في الأول كنت شايفها زي أختها، بتضحك وتهزر وتساعدها في شغل البيت، لكن كان في حاجة جوايا مش مرتاحة لها، نظراتها كانت طويلة زيادة عن اللزوم، وكلامها فيه حاجة مش مفهومة، بس كنت بكتم إحساسي عشان خاطر إيمان، لأنها كانت بتحبها وبتعتبرها أقرب الناس ليها.
مرت الأيام لحد اليوم اللي قلب حياتنا كلها. حادثة مفاجئة، عربية مسرعة، وصوت فرامل، وصريخ وبعدها كل حاجة بقت سودة. صحيت لقيت نفسي في المستشفى، وأول كلمة خرجت مني كانت اسمها. قالوا لي إنها في العناية المركزة، حالتها صعبة،

وإصابتها كبيرة. اللحظة دي كانت أقسى من أي حاجة عدت عليّ في حياتي.
قعدت أيام وليالي جنب باب العناية، لا بأكل ولا بنام، مستني أي خبر. كل دكتور يخرج كنت بجري عليه، وكل مرة نفس الإجابة ادعيلها. كنت بحس إن روحي مربوطة بجواها، لو راحت أنا كمان هروح.
في وسط الحالة دي، ظهرت سمر بشكل مختلف. بقت تيجي كل يوم، بس مش عشان إيمان، لأ كانت دايماً تقعد جنبي، تكلمني عن المستقبل، عن الحياة اللي لازم تكمل، عن إن الإنسان لازم يفكر في نفسه. كلامها كان يضايقني، بس كنت ساكت عشان مش ناقص وجع زيادة.
لحد الليلة اللي دخلت فيها بيتي تعبان ومكسور، بعد يوم طويل في المستشفى. لقيتها مستنياني جوه، بتتصرف كأنها صاحبة المكان. قعدت تتكلم وتتكلم، لحد ما قالت الكلام اللي قلب كل حاجة جوايا. لحظة واحدة بس كانت كفيلة تكشف لي حقيقتها، مش صاحبة، ولا أخت، دي كانت إنسانة بتستغل ضعف الوقت، وبتحاول تمحي وجود إيمان وهي لسه بتصارع عشان تعيش.
وقفت قدامها وأنا حاسس إن الدم بيغلي في عروقي، بس في نفس الوقت في صوت
جوايا بيقول لي خليك كبير إيمان اختارتك عشان أنت راجل. مسكت باب الشقة وفتحته على الآخر، وبصيت لها بنظرة واحدة كفيلة تفهمها كل حاجة، وقلت بهدوء غريب البيت ده له حرمة واللي جوه المستشفى دي روحي واللي يحاول يقل منها يبقى ملوش مكان هنا.
وشها اتغير، حاولت تضحك وتتكلم، لكن المرة دي مكنش في أي مساحة لكلامها. خرجت من غير ما تبص وراها، وساعتها بس حسيت إني قفلت باب مش بس على شخص، لكن على مرحلة كاملة من الغلط.
رجعت المستشفى وأنا أخف شوية، كأني شلت حمل تقيل من على قلبي. قعدت جنب إيمان، مسكت إيدها، وحكيت لها كل حاجة كأنها سامعاني. قلت لها أنا هنا ومش هسيبك حتى لو الدنيا كلها قالت غير كده.
الأيام عدت ببطء، وفي يوم، حصلت المعجزة الصغيرة اللي كنت مستنيها صباعها اتحرك. يمكن حركة بسيطة لأي حد، لكنها بالنسبة لي كانت حياة جديدة. الدكاترة بدأوا يتكلموا عن أمل، عن علاج، عن احتمال ترجع تاني تدريجياً.
بدأت رحلة طويلة من الصبر، علاج وتأهيل، تعب ودموع، لكن كل خطوة صغيرة كانت بتفرق. كنت معاها
في كل جلسة، في كل لحظة ضعف، في كل مرة تقول مش قادرة، كنت أقول لها إنتي أقوى من كده.
مرت شهور، ويمكن سنين، لحد ما جه اليوم اللي وقفت فيه على رجليها تاني، ببطء، بس بعزيمة تكسر أي ضعف. اليوم ده كان كأنه عيد، مش لينا بس، لكن لكل لحظة صبر عشناها.
رجعنا بيتنا، نفس السرير، نفس المكان، بس بروح جديدة. بقى في بينا حكاية أقوى من أي حاجة، حكاية صبر ووفاء واختيار صح وقت الغلط.
أما سمر، فاختفت من حياتنا تماماً، وكأنها صفحة واتقفلت. واتعلمت إن مش كل اللي بيضحك في وشك يبقى صادق، وإن وقت الشدة بيكشف معادن الناس.
وفي آخر كل يوم، لما أبص ل إيمان وهي قاعدة جنبي، أفتكر اللحظة اللي كادت تضيع كل حاجة، وأحمد ربنا إني اخترت أكون إنسان قبل أي حاجة لأن بعض الاختيارات مش بس بتحدد حياتك دي بتحدد أنت مين أصلاً.
رجوع إيمان للبيت مكنش نهاية الحكاية كان بدايتها الحقيقية. لأن أصعب حاجة مش إنك تقوم من الوجع أصعب حاجة إنك تكمل بعد ما تقوم.
الأيام الأولى كانت تقيلة خطواتها بطيئة، وإيديها بترتعش وهي
بتحاول تمسك
تم نسخ الرابط