الطفلة فرحة والمعلم وحيد

لمحة نيوز

المطر كان بيزيد واحدة واحدة، ونقطه بتخبط في الأرض كأنها دقات قلب متسارعة، والمعلم وحيد واقف مكانه مش قادر يحرك رجله خطوة، عينه على البنت الصغيرة اللي اسمها "فرحة"، وكلامها بيرن في ودانه زي صدى موجع: "أمي مأكلتش من تلات أيام..."… الكلمة دي لوحدها كانت كفيلة تهز جبل، فما بالك براجل اسمه "الصخر" بس قلبه لسه فيه حتة إنسان.

مد إيده بهدوء وحطها على دماغها، وقال بصوت واطي مش شبهه خالص:
"— طب إنتي اسمك إيه يا بطّة؟"
قالت وهي بتمسح دموعها بطرف إيدها:
"— فرحة..."
ابتسم غصب عنه ابتسامة حزينة:
"— فرحة؟! اسمك كبير على اللي شايفه في عيونك ده يا بنتي..."

سكت لحظة، وبعدين فجأة خد قرار، قرار مفيهوش رجوع… شاور للسواق اللي كان واقف جوه العربية، وقاله:
"— افتح الشنطة."
السواق نزل بسرعة، فتح الشنطة، والمعلم وحيد طلع رزمة فلوس ومدها للبنت.
فرحة رجعت لورا بخوف وقالت:
"— لا لا يا باشا… أنا عايزة تشتري العجلة بس…"
اتنهد وقال:
"— أنا بشتريها… وبشتري كمان ضحكتك اللي ضاعت."

حط الفلوس في إيدها غصب

عنها، وقال:
"— دي تمن العجلة… وزيادة عشان تجيبي أكل كتير لأمك… ومش عايز أشوفك في الشارع تاني."

البنت بصت للفلوس كأنها مش مصدقة، وبعدين بصت له وقالت:
"— طب… هتاخد العجلة؟"
بص للعجلة القديمة، المصديه، وقال بابتسامة فيها وجع:
"— لا… خديها… خليها معاكي… يمكن تفرحي بيها يوم."

سكت لحظة، وبعدين صوته اتغير خالص… بقى تقيل، خشن، مرعب:
"— فين بيتك؟"

فرحة ارتعبت من نبرة صوته، بس أشارت بإيدها على حارة جانبية ضلمة.
المعلم وحيد لف للسواق:
"— هاتها… وتعالى ورايا."

مسك إيد فرحة بنفسه، ومشي في المطر، وكل خطوة كانت بتخبط في الأرض كأنها وعد… وعد إن اللي حصل ده مش هيعدي.

وصلوا قدام بيت متهالك، بابه مكسور، والنور فيه خافت كأنه بيموت… دخل المعلم وحيد من غير ما يخبط، ولقى ست نايمة على الأرض، جسمها هزيل ووشها أصفر من الجوع والتعب.

فرحة جريت عليها:
"— ماما! ماما أنا جبت فلوس!"

الست فتحت عينيها بالعافية، ولما شافت الراجل الضخم واقف ورا بنتها، اتفزعت وحاولت تقوم، بس وقعت تاني.
قالت بصوت ضعيف:
"—

إحنا… إحنا معندناش حاجة تاني تتاخد…"

المعلم وحيد وقف مكانه لحظة، وبعدين قال بهدوء:
"— محدش جاي ياخد حاجة… أنا جاي أرجّع اللي اتاخد."

لف للسواق وقال:
"— انزل هات أكل من العربية… كله… حالاً."

في دقايق، البيت الصغير اتملى أكياس أكل، عيش، لحمة، لبن، كل حاجة… وفرحة واقفة مش مصدقة، وأمها بتعيط في صمت.

بس المعلم وحيد مكانش مركز معاهم… عينه كانت في حتة تانية… في كلمة واحدة:
"المعلم شحتة."

خرج من البيت، ووقف تحت المطر، ولع سيجارة، وسحب نفس طويل، وبعدين قال للسواق:
"— عارف شحتة فين دلوقتي؟"
السواق بلع ريقه وقال:
"— في الوكالة… قاعد مع رجالته."

ابتسم ابتسامة مرعبة:
"— حلو… يبقى نروّح له."

ركب العربية، والمطر بقى أشد، كأن السماء نفسها مستنية اللي هيحصل.

وصلوا الوكالة، والمكان كان مليان رجالة… ضحك، صوت عالي، وسجائر… أول ما العربية السوداء وقفت، الصوت سكت… والوجوه اتغيرت.

المعلم وحيد نزل… وكل خطوة ليه كانت تقيلة… والهدوء بقى مخيف.
شحتة كان قاعد على كرسي كبير، أول ما شافه، حاول يبتسم:
"

— يا أهلاً بالصخر… منوّر يا كبير!"

المعلم وحيد قرب منه لحد ما بقى واقف قدامه مباشرة… وبص له في عينه من غير كلام.
ثواني عدت… بس كانت تقيلة كأنها سنين.

وفجأة…
بووووم!

ضربة واحدة وقعت شحتة من على الكرسي.
المكان كله اتجمد… محدش اتحرك… محدش اتكلم.

المعلم وحيد مسكه من هدومه، وقال بصوت واطي بس مرعب:
"— إنت نسيت نفسك؟ ولا افتكرت إن مفيش كبير في المنطقة؟!"

شحتة حاول يتكلم:
"— يا كبير أنا… أنا…"
قاطعه وهو بيزقه:
"— دخلت بيت ست غلبانة… وخدت أكل عيالها؟!"

بص حواليه على رجالة شحتة:
"— اللي فيكم راجل… يقرب."

ولا واحد اتحرك… الكل كان عارف إن النهاية مش حلوة.

رجع بص لشحتة وقال:
"— من النهارده… كل قرش خدته يرجع… ولو سمعت إنك قربت من غلبان… والله ما هتشوف الشمس تاني."

سابه، ولف ضهره، ومشي… والكل فاتح له طريق… محدش قدر يوقفه.

رجع العربية، وقال للسواق بهدوء:
"— بكرة الصبح… البيت ده يتصلح… والست دي تتعالج… والبنت تدخل مدرسة… مفهوم؟"

السواق قال بسرعة:
"— مفهوم يا كبير."

بص من الشباك،

والمطر بيهدى شوية، وافتكر وش فرحة… وهي بتبتسم لأول مرة…
ابتسم لنفسه وقال:
"— يمكن… مش صخر أوي زي ما فاكرين."

تم نسخ الرابط