يوم خطوبة أخويا ل نور محمد
قهوة سادة. إيدي كانت لسه بترتعش، بس مش من الخوف من الأدرينالين. الموبايل رن أمي. بصيت للاسم شوية، وبعدين عملت صامت. بعدها بدقيقة، طارق. ضحكت بسخرية، وقفلت الموبايل خالص.
قعدت ساعة كاملة لوحدي، بستوعب اللي حصل وبسأل نفسي أنا عملت كده ليه؟ انتقام؟ ولا عشان نفسي؟ والإجابة جت لوحدها عشان كرامتي. الكلمة اللي كنت بدوس عليها سنين عشان أرضيهم.
بعدها قمت، ركبت تاكسي، وروحت على شقتي الصغيرة اللي كنت مأجراها قريب من الشغل الشقة اللي كانوا دايمًا بيعايروني بيها ويقولوا إيه القعدة دي؟ ده عيشة خدامين! دخلتها، قفلت الباب ورايا، وسندت عليه وانا بضحك ضحك هستيري مخلوط بدموع بس دموع خفيفة، دموع نهاية مش بداية.
تاني يوم صحيت متأخرة لأول مرة محدش يصحيني بصوت أوامر، محدش يقولي اعملي وسوي. عملت فطار بسيط، وقعدت قدام الشباك أبص على الشارع وافتكرت كل حاجة حصلت امبارح. فتحت الموبايل لقيت أكتر من 50 مكالمة وكمية رسايل مش طبيعية.
أمي إنتي خرجتي برة طوعي خلاص اعتبريني مت طارق إنتي خربتي حياتي والله ما هسيبك أرقام غريبة
فتحتها
أنا مش عارفة أقولك إيه بس اللي عملتيه أنقذني من كارثة. أهلي عرفوا كل حاجة، والموضوع اتقفل تمام. بس حبيت أقولك إنتي قوية أوي، ومش زي ما قالوا عنك خالص.
قعدت أبص للرسالة شوية وبعدين ابتسمت. يمكن دي أول مرة حد يشوفني صح.
الأيام اللي بعد كده كانت صعبة مش هكدب. طارق حاول يضايقني، بعت ناس تسأل عليا، حاول يهددني بالتسجيلات اللي معايا، بس أنا كنت أهدى منه وكنت مجهزة كويس. كل حاجة كانت متأمنة، ولو حصل لي أي حاجة كل الملفات كانت هتتبعت تلقائي لناس كتير. لما فهم ده، سكت غصب عنه.
أما أمي فضلت تقاطعني. ولا سؤال، ولا حتى محاولة صلح. ودي كانت أكتر حاجة وجعتني في الأول بس مع الوقت، بقيت شايفة الحقيقة هي عمرها ما كانت شايفاني بنتها كانت شايفاني وسيلة.
اشتغلت أكتر بس المرة دي مش عشان حد. لنفسي. بدأت أوفر، وأفكر أرجع أكمل تعليمي اللي سبتُه. وقدمت فعلًا في معهد قريب، وبدأت أدرس بالليل بعد الشغل. كان مرهق بس كل مرة أتعب، كنت أفتكر اللي حصل وأقوم.
في يوم،
كانت نرمين.
اتصدمت شوية، بس رحبت بيها. قعدنا سوا، وطلبت قهوة، وفضلت باصالي كأنها بتقيسني من جديد مش نظرة شفقة، ولا كِبر نظرة تقدير.
قالت أنا جيتلك مخصوص مش صدفة.
استغربت ليه؟
قالت بهدوء لأنك غيرتي حياتي وأنا حابة أغير حياتك لو تسمحي.
ضحكت بتوتر إزاي يعني؟
قالت أنا شغالة في شركة كبيرة، وبندور على ناس عندهم صبر وتحمل ومسؤولية وأنا شايفة فيكي ده كله. لو حابة أقدر أساعدك تبدأي بداية جديدة.
سكت الكلام كان أكبر من إني أستوعبه بسرعة. بس جوايا حاجة قالتلي دي فرصتك.
وفعلًا بدأت معاها. شغل جديد، بيئة مختلفة، ناس بتعاملني باحترام في الأول كنت تايهة، حاسة إني مش مكاني، بس كل يوم كنت بثبت لنفسي إني أستحق أكون هنا.
مرت شهور وأنا بتغير. لبسي، كلامي، ثقتي حتى نظرتي لنفسي. بقيت لما أبص في المراية، أشوف واحدة قوية، مش مكسورة.
وفي يوم وأنا راجعة من الشغل، لقيت أمي واقفة قدام باب شقتي.
قلبي دق بسرعة مش
وقفت شوية أفكر. زمان كنت هفتح من غير تفكير بس دلوقتي؟ لا.
قلت بهدوء اتفضلي بس نتكلم برا الأول.
بصتلي باستغراب يمكن أول مرة أحط حدود.
قالت أنا كنت غلطانة.
سكتت، وكملت بصعوبة بس كنت خايفة كنت فاكرة إني بحمي طارق.
بصتلها بثبات وقلت وكنتِ بتكسّريني.
دموعها نزلت بس أنا ما تأثرتش زي زمان. مش قسوة بس شفاء.
قالت عايزة نرجع زي الأول.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت مفيش زي الأول في حاجة جديدة بس لو هتحترميني فيها.
هزت رأسها ودي كانت البداية.
ما رجعتش البيت القديم وما رجعتش لنفسي القديمة. سامحت آه، بس ما نسيتش. واتعلمت إن أقوى حاجة ممكن يعملها الإنسان إنه يختار نفسه.
أما طارق؟
سمعت إنه اتغير شغله، وخسر ناس كتير ومحدش بقى يثق فيه زي الأول. حاول يكلمني كذا مرة بس أنا كنت خلاص قفلت الصفحة دي.
وفي ليلة هادية، وأنا قاعدة على نفس الكرسي في الكافيه اللي بدأت فيه حكايتي الجديدة مسكت فنجان القهوة، وبصيت للسما وابتسمت.
لأن الحقيقة مش بس
الحقيقة إنها أنقذت حياتي أنا.