الست ليلي حارسة الأمن
كانت الساعة سبعة الصبح في قلب التجمع الخامس، والشمس لسه بتفرد خيوطها على وشوش الأبراج الزجاجية اللي بتلمع كأنها مرايات كبيرة بتعكس حلم ناس كتير. قدام برج النيل الماسي، أفخم برج في المنطقة، كانت واقفة الست ليلى واقفة انتباه، ضهرها مستقيم، بس قلبها مكنش ثابت زي جسمها.
ليلى، الست اللي الزمن نقش على وشها حكايات التعب، كانت لابسة بدلة الأمن وكأنها درع بتحتمي بيه من الدنيا. إيديها كانت بتترعش وهي بتعدل الكاب فوق راسها، وعينيها بتلف حوالين المكان بقلق، مش خوف من شغلها لكن خوف من لحظة جاية عارفة إنها مش هتعرف تهرب منها.
زميلها عطوة قرب منها وقال وهو بيبص لها باستغراب
مالك يا ست ليلى؟ عمرك ما شوفتك كدة ده يوم مهم، المدير الجديد جاي!
بلعت ريقها بالعافية وقالت بصوت مهزوز
أنا كويسة متقلقش.
بس الحقيقة كانت بتصرخ جواها المدير الجديد ده مش أي حد. ده عمر ابنها.
ابنها اللي شالته تسع شهور، وربته سنين، وسهرت عليه وهو بيذاكر تحت نور لمبة ضعيفة، وكانت بتكسر من نفسها عشان ما يكسرش هو. اشتغلت في بيوت ناس، ومسحت سلالم، وغسلت هدوم، وكانت بتستخبى من التعب عشان تضحك في وشه وتقول له ذاكر يا حبيبي أنت هتبقى
وكبر عمر وبقى حاجة أكبر من اللي كانت بتحلم بيه.
بس عمر عمره ما عرف إنها اشتغلت شغلانة زي دي. كانت دايماً بتقوله إنها شغالة في شركة خدمات، وبتتجنب التفاصيل. كانت خايفة عليه خايفة صورته قدام الناس تتغير.
وقفت العربية المرسيدس السودا قدام المدخل، والمكان كله سكت فجأة. الحرس انتشروا، والموظفين وقفوا صفوف، والهواء نفسه بقى تقيل.
اتفتح باب العربية ونزل عمر.
شاب في منتصف الثلاثينات، لبسه شيك، نظرته واثقة، خطواته محسوبة. كان ماشي وكأنه متعود على الهيبة دي، بس جواه حاجة تانية خالص حاجة محدش شايفها.
كل الناس قالت بصوت واحد
صباح الخير يا فندم!
إلا ليلى اللي سحبت الكاب على وشها، ولفت جسمها بسرعة ووقفت ورا العمود، قلبها بيدق بعنف، كأنها بتستخبى من قدرها.
غمضت عينيها وهمست
يا رب ميشوفنيش خليني بعيدة عنه كفاية عليا إني شايفاه من بعيد.
لكن فجأة صوت خطواته وقف.
الصمت زاد واللحظة اتجمدت.
عمر رفع إيده وقال بهدوء
استنوا شوية.
كل اللي حواليه بصوا له باستغراب. هو مشي خطوتين تلاتة وبعدين غير اتجاهه خالص.
كان رايح ناحية العمود.
ليلى حسّت برجليها بتسيبها. حاولت تستخبى أكتر، لكن خلاص مفيش مهرب.
وقف قدامها.
سكت ثواني وبعدين بصوت واطي مليان رجفة قال
مش هتسلمي عليا يا أمي؟
الدنيا وقفت.
عطوة فتح بقه، والموظفين بصوا لبعض، وكأن قنبلة انفجرت في المكان.
ليلى رفعت عينيها ببطء عينيها كانت مليانة دموع، ووشها بيترعش من الخجل والخوف.
يا ابني أنا أنا كنت
قاطعها وهو بيبتسم ابتسامة هادية، فيها حب سنين
كنتِ بتستخبي مني؟
قالت بسرعة وهي بتبص حواليها بخوف
عشانك يا عمر عشان شكلك قدامهم الناس بتتكلم
سكت لحظة وبعدين عمل حاجة محدش كان يتخيلها.
مد إيده ومسك إيدها.
وبصوت واضح قدام الكل قال
الناس تتكلم؟ الناس تتعلم مش تتكلم.
شدها خطوة لقدام، وخلاها تقف جنبه قدام كل الموظفين، وقال
دي أمي الست اللي لو في حد هنا يستاهل يبقى مدير، فهي. أنا بس كنت محظوظ إني ابنها.
الهمسات زادت بس مش سخرية إعجاب.
عمر كمل كلامه وهو صوته بيعلى بثقة
اللي شايف إن الشغلانة دي عيب، يبقى مش فاهم حاجة. أمي شرفتني ومفيش منصب في الدنيا يعلى عليها.
ليلى كانت واقفة مذهولة دموعها نازلة، بس المرة دي مش من الخوف من الفخر.
عمر بص لها بابتسامة وقال بهزار خفيف
وبعدين يا ست ليلى واقفة انتباه ليه؟ أنا ابنك مش الباشا.
ضحكت من بين دموعها، أول
في اللحظة دي كل حاجة اتغيرت.
الموظفين اللي كانوا شايفينها مجرد فرد أمن، بقوا يبصولها باحترام. وعطوة قرب منها وقال وهو مبتسم
إحنا كنا واقفين جنب كنز ومش عارفين!
ومن اليوم ده ليلى مبقتش بتستخبى.
بقت تمشي رافعة راسها مش عشان ابنها بقى مدير لكن عشان أخيرًا فهمت إن تعبها عمره ما كان عيب.
أما عمر فكان كل يوم قبل ما يطلع مكتبه، يقف عند البوابة، يسلم على أمه الأول وكأنه بيأكد لنفسه قبل أي حد
إن أعظم إنجاز في حياته مش الكرسي اللي قاعد عليه لكن الست اللي ربته لحد ما وصل له.
من اليوم ده، الدنيا في برج النيل الماسي ما بقتش زي الأول خالص مش بس عشان مدير جديد استلم، لكن عشان حاجة أعمق بكتير اتغيرت في قلوب الناس.
الست ليلى بقت تمشي في الممرات بنفس البدلة الزرقا بس الإحساس اختلف. نفس البيادة، نفس اللاسلكي، نفس الشغل لكن الراس مرفوعة، والخطوة واثقة، والعين فيها نور جديد. نور حد أخيرًا صدّق إن قيمته مش في شغلانته لكن في تعبه.
بس مش كل القلوب كانت صافية.
في مكتب الدور العاشر، كانت مدام هالة، مديرة الموارد البشرية، قاعدة قدام مكتبها وهي بتقلب في الورق بعصبية. وشها مشدود،
اللي حصل ده مش