موت الأم وشر زوجي
لما قالتلي هبة الجملة دي، حسّيت إن الدنيا كلها وقفت مش بس الصوت اللي اختفى، ده حتى نفسي اتحبس جوا صدري. ماما توفت من عشر دقايق. الكلمة دي كانت كأنها خنجر اتغرز في قلبي وأنا واقفة لوحدي في مطبخ مليان ريحة أكل، وحياة شكلها عادي، بس جوايا كان كل حاجة بتنهار.
كنت عايزة أصرخ أسيب كل حاجة وأجري أروح لحضن أمي حتى لو متأخرة حتى لو مجرد ألمس إيديها الباردة وأقولها سامحيني. لكن اللي حصل بعد كده كان أقسى من الخبر نفسه.
ياسين جوزي ضحك.
مش بس تجاهل ضحك. كأن اللي سمعه نكتة سخيفة مش خبر وفاة أم مراته. الكلمة اللي قالها كانت أبشع من الضحك وإيه يعني؟ ساعتها فهمت إني مش متجوزة راجل أنا عايشة مع قلب حجر، واحد شايفني مجرد خدامة في حياته، مش بني آدمة عندها وجع وكسرة.
كنت واقفة بقدم الأكل، وكل طبق بحطه على السفرة كان بيحسّسني إني ببيع نفسي حتة حتة. دموعي كانت بتنزل من غير صوت، ووشوش الناس حواليّا بدأت تتغير فيه اللي بصلي بشفقة،
مديره أستاذ رأفت مسك إيدي.
اللمسة كانت هادية، إنسانية حاجة أنا نسيتها من زمان. بص في عيني وسألني مالك؟
المرة دي مقدرتش أكذب. مقدرتش أقول ولا حاجة. كل اللي جوايا انفجر حكيت. حكيت إزاي أمي ماتت من ساعة، وإزاي أنا واقفة هنا غصب عني، وإزاي جوزي رفض يخليني أمشي.
الأوضة سكتت بس السكوت المرة دي كان تقيل. نظرات الناس كلها اتقلبت 180 درجة. الستات بقت تبصلي بصدمة، والرجالة بقت تبص لياسين وكأنهم أول مرة يشوفوه.
أستاذ رأفت سحب إيده بهدوء، بس ملامحه اتغيرت تمامًا. بقى جامد، حاد قام وقف وقال بصوت واضح
إنت ازاي تخلي مراتك تخدم ضيوفك وهي أمها لسه متوفية؟
ياسين حاول يضحك ويهزر
لا يا فندم أصل هي مكبرة الموضوع شوية
لكن رأفت قاطعه بعنف
الموضوع كبير وأكبر مما تتخيل. دي مش أخلاق بني آدمين، دي قسوة.
الصمت بقى أثقل والكل بدأ يجمع نفسه. واحدة من الضيوف
ياسين بدأ يتوتر ملامحه اتغيرت حاول يسيطر على الموقف
يا جماعة استنوا العشا
بس محدش سمعه.
واحد واحد، الضيوف مشيوا من غير سلام تقريبًا. الجو اللي كان مفروض أهم ليلة في مستقبله اتحول لفضيحة أخلاقية قدام أكبر ناس في شغله.
وقفت قدامه وأنا ماسكة شنطتي أول مرة بصيت له من غير خوف.
قلت له بهدوء غريب
أنا ماشية ومش راجعة.
ضحك بس ضحكة مهزوزة
إنتي بتبالغي.
بصيت له نفس النظرة اللي كان بيبصلي بيها طول عمره بس المرة دي أنا اللي شايفاه صغير.
لا أنا أخدت وقتي أوي في إني أفهم بس خلاص.
مشيت.
الطريق للمستشفى كان طويل بس لأول مرة في حياتي، حاسّة إني ماشية صح. وصلت لهبة، حضنتها، وعيطنا سوا العياط اللي كان لازم يحصل من الأول.
بصيت لأمي كانت هادية ملامحها مرتاحة. قربت منها وقلت بصوت مكسور
سامحيني إني اتأخرت بس خلاص أنا فوقت.
بعد
ياسين اتفصل من شغله. مش عشان موقف واحد لكن عشان شخصيته اللي اتكشفت. مديره قالها صريحة اللي ميحترمش بيته عمره ما هيحترم شغله.
حاول يكلمني كتير.
مرة يزعق مرة يعتذر مرة يهدد بس أنا كنت خلاص خرجت من الدايرة دي.
رجعت لبيت أمي بس المرة دي مش كضيفة كصاحبة قرار.
اشتغلت تعبت وقفت على رجلي وكل يوم كنت بافتكر اللحظة اللي غيرت حياتي لما اخترت نفسي.
يمكن خسرت جواز بس كسبت كرامتي.
يمكن فقدت أمي بس علمتني آخر درس
إن اللي ميقفش جنبك في وجعك ما يستاهلش يكون في حياتك.
ومن يومها عمري ما قدمت نفسي على طبق لحد تاني.
بعد ما خرجت من البيت في الليلة دي، كنت فاكرة إن أصعب حاجة عدّت بس الحقيقة إن اللي جاي كان هو الاختبار الحقيقي. مش اختبار وجع أنا اتعودت على الوجع لكن اختبار قوة.
الأيام الأولى بعد وفاة أمي كانت تقيلة بشكل ما يتوصفش. البيت اللي كنت بدخله كل مرة ألاقي فيه صوتها، دعواتها، ريحة أكلها